فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 586

الْمُجْرِمِينَ بِلَا ضَعْفٍ وَلَا تَقْصِيرٍ ، فَالْمُقَاتِلُ بِالْمَدَافِعِ وَالْقَذَائِفِ النَّارِيَّةِ أَوِ الْغَازِيَةِ السَّامَّةِ يَجِبُ أَنْ يُقَاتَلَ بِهَا ، وَإِلَّا فَاتَتِ الْحِكْمَةُ لِشَرْعِيَّةِ الْقِتَالِ وَهِيَ مَنْعُ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَالْفِتْنَةِ وَالِاضْطِهَادِ ، وَتَقْرِيرُ الْحُرِّيَّةِ وَالْأَمَانِ ، وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ . وَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَالْآدَابُ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْإِسْلَامِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ شَرْحِ الْقِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ: (وَاتَّقُوا اللهَ) فَلَا تَعْتَدُوا عَلَى أَحَدٍ وَلَا تَبْغُوا وَلَا تَظْلِمُوا فِي الْقِصَاصِ بِأَنْ تَزِيدُوا فِي الْإِيذَاءِ . وَأَكَّدَ الْأَمْرَ بِالتَّقْوَى بِمَا بَيَّنَ مِنْ مَزِيَّتِهَا وَفَائِدَتِهَا فَقَالَ: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) بِالْمَعُونَةِ وَالتَّأْيِيدِ ، فَإِنَّ الْمُتَّقِيَ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَبَقَاؤُهُ هُوَ الْأَصْلَحُ ، وَالْعَاقِبَةُ لَهُ فِي كُلِّ مَا يُنَازِعُهُ بِهِ الْبَاطِلُ ; لِأَنَّ مِنْ أُصُولِ التَّقْوَى اتِّقَاءَ جَمِيعِ أَسْبَابِ الْفَشَلِ وَالْخِذْلَانِ .

وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ - وَهُوَ الْقِتَالُ - يَتَوَقَّفُ عَلَى الْجِهَادِ بِالْمَالِ ، أَمَرَهُمْ بِهِ فَقَالَ: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (قَاتِلُوا) رَابِطٌ لِأَحْكَامِ الْقِتَالِ وَالْحَجِّ بِحُكْمِ الْأَمْوَالِ السَّابِقِ ، فَهُنَاكَ ذَكَرَ مَا يَحْرُمُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ مُجْمَلًا ، وَهَاهُنَا ذَكَرَ مَا يَجِبُ مِنْ إِنْفَاقِهِ مِنْهُ كَذَلِكَ . وَسَبِيلُ اللهِ هُوَ طَرِيقُ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ . ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ هَذَا الْأَمْرِ وَحِكْمَتَهُ عَلَى مَا هِيَ سُنَّتُهُ فِي ضِمْنِ حُكْمٍ آخَرَ . فَقَالَ: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْإِنْفَاقِ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُكُمْ وَيُمَكِّنُ الْأَعْدَاءَ مِنْ نَوَاصِيكُمْ فَتَهْلِكُونَ .

وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ التَّطَوُّعُ فِي الْحَرْبِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِالطُّرُقِ الْحَرْبِيَّةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الْعَدُوُّ ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مُخَاطَرَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ ، بِأَنْ تَكُونَ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى لَا لِنَصْرِ الْحَقِّ وَتَأْيِيدِ حِزْبِهِ .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَدْخُلُ فِيهِ الْإِسْرَافُ الَّذِي يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي الْفَقْرِ الْمُدْقِعِ ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) (7: 31) . وَفَسَّرَ (الْجَلَالُ) (سَبِيلِ اللهِ) بِطَاعَتِهِ: الْجِهَادُ وَغَيْرُهُ . وَ (التَّهْلُكَةِ) بِالْإِمْسَاكِ عَنِ النَّفَقَةِ وَتَرْكِ الْجِهَادِ . قَالَ: لِأَنَّهُ يُقَوِّي الْعَدُوَّ عَلَيْكُمْ . قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَصَابَ مُفَسِّرُنَا وَأَجَادَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِ النَّهْيِ عَنِ التَّهْلُكَةِ ; أَيْ: لَا تُقَاتِلُوا إِلَّا حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّكُمُ النَّصْرُ وَعَدَمُ الْهَزِيمَةِ . وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ إِذْ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ مَا سَبَقَهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَهَى عَنِ الْإِسْرَافِ ، وَلَا يَلْتَئِمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت