فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 586

مَعَ الْأُسْلُوبِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَلْتَئِمُ وَيُنَاسِبُ هُوَ مَا قَالَهُ (الْجَلَالُ) وَآخَرُونَ ، فَالْمَعْنَى: إِذَا لَمْ تَبْذُلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَتَأْيِيدِ دِينِهِ كُلَّ مَا تَسْتَطِيعُونَ مِنْ مَالٍ وَاسْتِعْدَادٍ فَقَدْ أَهْلَكْتُمْ أَنْفُسَكُمْ . وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا: إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (وَأَنْفِقُوا) الْآيَةَ ، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحِهَا وَتَرْكَنَا الْغَزْوَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ - وَصَحَّحَهُ - وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ .

وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَهُ لَمَّا خَاطَرَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَدَخَلَ فِي صَفِّ الرُّومِ فَقَالَ النَّاسُ: أَلْقَى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ . فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَذَكَرَهُ .

أَقُولُ: وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا بِالْمِرْصَادِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ كَثِيرُونَ فَلَوِ انْصَرَفُوا عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ إِلَى تَثْمِيرِ الْأَمْوَالِ لَاغْتَالُوهُمْ ، وَإِصْلَاحُ الْأَمْوَالِ وَاسْتِثْمَارُهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ هُوَ أَسَاسُ الْقُوَّةِ ، فَقُوى الدُّوَلِ عَلَى قَدْرِ ثَرْوَتِهَا ، فَالْأُمَّةُ الَّتِي تُقَصِّرُ فِي تَوْفِيرِ الثَّرْوَةِ هِيَ الَّتِي تُلْقِي بِأَيْدِيهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَالَّتِي تُقَصِّرُ فِي الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ لِلِاسْتِعْدَادِ لِقِتَالِ مَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهَا تَكُونُ أَدْنَى إِلَى التَّهْلُكَةِ ، وَلَا ثَرْوَةَ مَعَ الظُّلْمِ ، وَلَا عَدْلَ مَعَ الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ الِاسْتِبْدَادِيِّ .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) الْأَمْرُ بِالْإِحْسَانِ عَلَى عُمُومِهِ ; أَيْ: أَحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِكُمْ وَأَتْقِنُوهَا فَلَا تُهْمِلُوا إِتْقَانَ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَيَدْخُلُ فِيهِ التَّطَوُّعُ بِالْإِنْفَاقِ

وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ (التَّوْبَةِ) الَّتِي يُسَمُّونَهَا آيَةَ السَّيْفِ . وَهَاكَ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مُحَصِّلُ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ سَبَبِ نُزُولِهَا ، وَهُوَ إِبَاحَةُ الْقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْإِحْرَامِ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ إِذَا بَدَأَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِذَلِكَ ، وَأَلَّا يُبْقُوا عَلَيْهِمْ إِذَا نَكَثُوا عَهْدَهُمْ وَاعْتَدَوْا فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ ، وَحُكْمُهَا بَاقٍ مُسْتَمِرٌّ لَا نَاسِخَ وَلَا مَنْسُوخَ ; فَالْكَلَامُ فِيهَا مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَمْزِيقِهِ ، وَلَا إِلَى إِدْخَالِ آيَةِ بَرَاءَةٌ فِيهِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت