نَسْخَ فِيهَا ، وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ فِيهَا عَلَى عُمُومِهِ - وَلَوْ مَعَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ - فَقَدْ أَخْرَجَهَا عَنْ أُسْلُوبِهَا وَحَمَّلَهَا مَا لَا تَحْمِلُ .
وَآيَاتُ سُورَةِ آلَ عِمْرَانَ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ هُمُ الْمُعْتَدِينَ . وَآيَاتُ الْأَنْفَالِ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ هُمُ الْمُعْتَدِينَ أَيْضًا . وَكَذَلِكَ آيَاتُ سُورَةِ بَرَاءَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاكِثِي الْعَهْدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلِذَلِكَ قَالَ: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) (9: 7) وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ نِكْثِهِمْ: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (9: 13) الْآيَاتِ .
كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْدَءُونَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقِتَالِ لِأَجْلِ إِرْجَاعِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَلَوْ لَمْ يَبْدَءُوا فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَكَانَ اعْتِدَاؤُهُمْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ مِنْ بَلَدِهِ وَفِتْنَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِيذَاؤُهُمْ وَمَنْعُ الدَّعْوَةِ - كُلُّ ذَلِكَ كَافِيًا فِي اعْتِبَارِهِمْ مُعْتَدِينَ ، فَقِتَالُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُلُّهُ كَانَ مُدَافَعَةً عَنِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ وَحِمَايَةً لِدَعْوَةِ الْحَقِّ ; وَلِذَلِكَ كَانَ تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ شَرْطًا لِجَوَازِ الْقِتَالِ ; وَإِنَّمَا تَكُونُ الدَّعْوَةُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ لَا بِالسَّيْفِ وَالسِّنَّانِ ، فَإِذَا مُنِعْنَا مِنَ الدَّعْوَةِ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ هُدِّدَ الدَاعِي أَوْ قُتِلَ فَعَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ لِحِمَايَةِ الدُّعَاةِ وَنَشْرِ الدَّعْوَةِ لَا لِلْإِكْرَاهِ عَلَى الدِّينِ ; فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (2: 256) وَيَقُولُ: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (10: 99) وَإِذَا لَمْ يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ الدَّعْوَةَ وَيُؤْذِي الدُّعَاةَ أَوْ يَقْتُلُهُمْ أَوْ يُهَدِّدُ الْأَمْنَ وَيَعْتَدِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَفْرِضُ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ; لِأَجْلِ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَإِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ ، وَلَا لِأَجْلِ الطَّمَعِ فِي الْكَسْبِ .
وَلِقَدْ كَانَتْ حُرُوبُ الصَّحَابَةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ حِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَمَنْعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَغَلُّبِ الظَّالِمِينَ لَا لِأَجْلِ الْعُدْوَانِ ، فَالرُّومُ كَانُوا يَعْتَدُونَ عَلَى حُدُودِ الْبِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي دَخَلَتْ حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ وَيُؤْذُونَهُمْ ، وَأَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ يُؤْذُونَ مَنْ يُظَنُّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
وَكَانَ الْفُرْسُ أَشَدَّ إِيذَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ مَزَّقُوا كِتَابَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرَفَضُوا دَعْوَتَهُ وَهَدَّدُوا رَسُولَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ اقْتَضَتْهُ طَبِيعَةُ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ مُوَافِقًا لِأَحْكَامِ الدِّينِ ، فَإِنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الْكَوْنِ أَنْ يَبْسُطَ