ذاك أن الأمم إذا قهرها العدو تهن قوّتها ويغلب عليها الجبن وتلبس ثوب الذل والمسكنة ، فإذا أراد اللّه إحياءها بعد موتها نفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون ، فيعملون ما لا يعمله الأكثرون.
وفي الآية من العبرة والفوائد الاجتماعية - أن الأمم حين الضعف قد تفكر في الدفاع حين الحاجة إليه ، وتعزم على القيام به إذا توافرت الشرائط التي يتخيلونها كما قال:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
فإذا توافرت لهم ضعفوا وجبنوا وزعموا أن ما هم عليه من القوة غير كاف لمقاومة الأعداء ، والتمسوا لأنفسهم المعاذير ، وأكثروا من التعللات الواهية.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) أي بالذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعا عنها ، وحفظا لحقوقها ، فيصبحون في الدنيا أذلاء مستضعفين ، وفي الآخرة أشقياء معذبين ، وفي هذا وعيد لأمثالهم لا يخفى." [1] "
وفي التفسير الواضح:"ألم ينته علمك إلى القوم من بنى إسرائيل ؟ وقد وجدوا بعد موسى - عليه السلام - حين قالوا لنبيهم ، ولم يسمه القرآن ، وقيل: إنه (صمويل) حين قالوا له: اختر لنا قائدا يقود زمامنا ، ولا شك أن طرد العدو من البلاد قتال في سبيل اللّه.ولكن نبيهم قد عرفهم معرفة المجرب الحكيم ، فقال لهم: يا قوم أتوقع منكم عملا يخالف أقوالكم ، والزمان كفيل بتصديق نظريتى أو تكذيبها ، قالوا ردا عليه: وما لنا ألا نقاتل في سبيل اللّه ؟ أى شيء دهانا واستقر عندنا حتى لا نقاتل في سبيل اللّه ؟ وهذا هو مقتضى القتال حاصل فقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا ومنعنا من أبنائنا."
فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا لم تكن الحوادث قد عركتهم ولم تكن نفوسهم طاهرة صادقة ، ولم تكن أرواحهم قد ملئت بالنور والإيمان كما فهم فيهم نبيهم ، ولذا تولوا وأعرضوا إلا قليلا منهم ، وانتحلوا المعاذير وعللوا أنفسهم بالتعاليل. وهكذا الأمم الميتة ،
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (2 / 216)