فالجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ، هي دواء لداء ، واستطباب لعلّة ، وعملية جراحيّة لاستئصال مرض قاتل .. وإنه لا بأس من أن يكون الدواء مرّا ، إذا أثمر ثمرته في شفاء الداء.
وفى قوله تعالى: « حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ » إشارة إلى علوّ يد المسلمين ، وتمكنهم من عدوّهم ، بما لهم من بأس ، وقوة ..وهذا يعني أن يحتفظ المسلمون دائما بتلك القوة التي مكّنت لهم ، وإلا كان عليهم أن ينزلوا عن هذه المنزلة التي هم فيها ، فإنهم إن لم ينزلوا عنها طائعين ، نزلوا عنها مكرهين .. بل وربما تحولت الحال ، فكانوا تحت يد من كانوا تحت يدهم!
فالمراد باليد هنا ، القوة والقدرة ، التي يعلو بها المسلمون على غيرهم.والقوة التي يعتمد عليها المسلمون ، تقوم دعائمها أولا وقبل كل شىء ، على الإيمان باللّه ، وامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه .. فإذا حقق المسلمون حقيقة الإيمان في قلوبهم ، مكّن اللّه لهم من كل أسباب العزة ، والقوّة ، وملأ أيديهم من خير الدنيا والآخرة جميعا ، وأقامهم في هذه الدنيا مقاما كريما ، وجعل كلمتهم العليا ، وكلمة الذين كفروا هى السفلى!
فليس المراد بقوله تعالى: « وَهُمْ صاغِرُونَ » تحريضا للمسلمين على امتهان أهل الذمة وإذلالهم ، بقدر ما هو تحريض للمسلمين على اكتساب القوة والاحتفاظ ، بها حتى لا يكونوا يوما في هذا المنزل الذليل المهين ، الذي ينزله المغلوب على أمره بها ، النازل على حكم غالبه .. فهذا هو واقع الحياة ، وتلك هى سنة اللّه في خلقه .. الغالب متحكم متسلط ، والمغلوب مقهور مهين .. وإذا كان هناك من المبادئ الخلقية ، أو المواضعات السياسية ، ما يخفف من هذا المبدأ العامل في الحياة ، فإن سماحة الإسلام ، وإنسانية شريعته ، قد كان لهما في هذا الباب ما لا يمكن أن يلحق بغباره القوانين الدولية ، أو المنظمات الإنسانية .. ذلك أن دعوة الإسلام إلى التسامح ، والرفق ، والإخاء ، دعوة مشدودة إلى ضمير الإنسان ، موصوله بإيمانه باللّه ، بحيث لا يكمل إيمانه إلا بها .. أما ما تحمله القوانين الدولية ، وما تنادى به المنظمات الإنسانية ، فلا يعدو أن يكون مجرد نصائح ووصايا ، تخاطب أذن الإنسان ، دون أن تبلغ مواطن الإدراك ، أو الوجدان منه.