فالذين يعرفون العربية ، يعرفون طريقهم إليه في غير عناء ، ويضعون أيديهم على حقائقه من غير معاناة ..
والذين لا يعرفون العربية ، يمكن أن تترجم لهم حقائقه ، كما تترجم الدساتير القانونية ، والحقائق العلمية .. ولا عليهم إن فاتهم إعجاز الكلمة ، ومعجزة البيان .. فإن الحقائق التي تصل إليهم من خلال الترجمة ، كافية في الكشف عن وجوه أخرى من الإعجاز ، ممثلة في محكم أحكامه ، وروعة حقائقه ، وخلود مقرراته ..
والإسلام ـ في يسره ، وسماحته ، ومواءمته للفطرة الإنسانية ـ قريب من كل نفس ، واضح لكل ذى نظر ، واقع في فهم كل ذى فهم .. تلتقى عنده عقول المتعلمين والعلماء ، وتجتمع عليه أنظار العامة والفلاسفة ، بحيث يجد فيه كل عقل ما يغنيه ويرضيه ، ويأخذ منه كل نظر ما يرشده ويسعده .. هكذا دائما آيات اللّه المبثوثة في هذا الوجود ، ممّا يمسك على الناس حياتهم ، ويحفظ وجودهم ، لا تقصر عنها يد ، ولا يستأثر بها إنسان دون إنسان ، أو تختص بها جماعة دون جماعة ، أو أمة دون أمة .. إنها من اللّه ، ولعباد اللّه .. كالماء والهواء ، والشمس ، والقمر ، والنجوم .. وإن كان لأحد أو لجماعة أو أمة نصيب أوفر ، أو حظ أعظم ، فهو مما زاد الحاجة التي لا تتطلبها ضرورات الحياة ، وإن كان فيها متعة فوق متعة ، ورضى فوق رضى .. فصاحب النظر الحديد يرى من جمال الوجود وروائع آياته ما لا يراه صاحب النظر الكليل ، وصاحب الشمّ السليم ، يجد من طيب الزهر وعبيره ، ما لا يجده المزكوم ..
ومثل هذا تماما ، موقف الناس جميعا أمام القرآن الكريم ، وما تحمل سوره من آيات اللّه البينات .. الناس كلهم بين يديه ـ على اختلاف حظوظهم من العلم والمعرفة ـ على مائدة طيبة ، طعامها هنىء لكل عقل ، وشرابها مرىء سائغ لكل قلب .. من طعم منها لا يجد الجوع العقلي أبدا ، ومن روى منها لا يعرف الظمأ الروحي أبدا ..
وتلك هى معجزة القرآن القائمة على الناس أبد الدهر ، وتلك هى حجة اللّه على من أخلى عقله وقلبه من الدين ، أو دان بغير دين الحق ، دين اللّه ، الذي ارتضاه لعباده .. كما يقول الحق جلّ وعلا: « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ