منهم ، ركبها النفاق ، وغلب عليها حكمه ، فلم تكن موادعتها للمسلمين إلا ضربا من ضروب النفاق ، تريد به أن تضمن السلامة والعافية ، وأنه إذا انتصر المسلمون على قومهم ، كانوا هم بمأمن مما يجرى على قومهم من حكم الإسلام فيهم ، من قتل ، وسبى ، ومغنم .. وإذا انتصر قومهم ، كان لهم من صلتهم بهم وقرابتهم لهم ، ما يدفع عنهم بأسهم ، وضرهم ..
فهذه الجماعة من المنافقين إن لم تتحرر من نفاقها ، وإن لم تقم أمرها على وجه واحد مع المسلمين ، كان على المسلمين أن يأخذوهم بما يأخذون به أعداءهم ، لأنهم مخادعون ، مضللون ، يتخذون من خداعهم وتضليلهم جنّة يدفعون بها ما يتوقع من المسلمين من نصر ، وما وراء هذا النصر من بأساء وضراء تحيط بهم!" [1] "
وفي التفسير الواضح:"خاطب اللّه - جل شأنه - المؤمنين خطابا يتعلق بما قبله ، ولذا أتى بالفاء: فما لكم اختلفتم في شأن المنافقين فئتين ؟ جماعة يشهدون لهم بالخير ، وأخرى تشهد لهم بالكفر والشرك ، وكيف هذا ؟ والحال أن اللّه صرفهم عن الحق وأركسهم في الضلال وردهم إلى الشرك على أقبح صورة ، بما كسبوا من أعمال الضلال ، والبعد عن حظيرة الإسلام وعدم الهجرة مع رسول اللّه ، أتريدون أن تبدلوا سنة اللّه في الخلق ؟ وأن تجعلوا الضال مهتديا والكافر مسلما ، لا يعقل هذا!! إنهم ينظرون إليكم نظرة الأعداء ويودون أن تكفروا مثلهم ، فتكونوا سواء ، ومن كان هذا حاله فلا يصح أن تختلفوا في شأنه ، بل أجمعوا على أنه منافق خارج عن حدود الإسلام. ولا تتخذوا منهم أولياء تعتمدون عليهم ، وتركنون إليهم ، حتى يهاجروا في سبيل اللّه هجرة خالصة لوجه اللّه ورسوله فإن تولى هؤلاء الموصوفون بما ذكر ، وأعرضوا عن الهجرة في سبيل اللّه ولزموا مواضعهم وأساليبهم السابقة وكانوا حربا عليكم فخذوهم إن قدرتم عليهم في أى مكان أو زمان واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل أو الحرم ، ولا تتخذوا منهم وليّا ولا نصيرا. وقد استثنى اللّه منهم طائفتين:"
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 854)