قوىّ للمشركين على ان يستجيبوا للّه وللرسول ، وأن يدخلوا في دين اللّه ، ويسلموا له مع المسلمين .. « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » يمضى حكمه بعلم العليم ، وحكمة الحكيم ، فما وقع شىء في ملكه إلا على هذا التقدير الذي يقدّره العلم ، وتحكمه الحكمة .." [1] "
"كيف لا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم التي أقسموا بها عند المعاهدة ؟ !! ونقضوا عهدهم من بعد توكيده ، وهذا استفهام لإنكار عدم قتالهم. وهو يفيد الحض على القتال والحث عليه ببيان شناعة جرمهم وعظيم فعلهم المقتضى للقتال ، وهم هموا بإخراج الرسول من مكة ، أو حبسه حتى لا يراه أحد ، أو قتله بأيدى عصابة مكونة من القبائل حتى يضيع دمه وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [سورة الأنفال آية 30] ."
وهم بدءوكم بالقتال أولا ، وقد قيل: الشر بالشر والبادئ أظلم ، وقد كان منهم كل ذلك إذ نقضت قريش العهد وأعانت بنى بكر على خزاعة ، وقتلوا منهم كثيرا حتى استنجدوا برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أخرجوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من بلدة مكة وأخرجوا غيره من المهاجرين ، وبدءوا بالقتال يوم بدر.
ثم قال هذه الحجج: أتخشونهم ؟ وتتركون قتالهم خشية وخوفا إن كانت الخشية هي المانعة فاللّه أحق بها إن كنتم مؤمنين ، إذ شرط الإيمان الخوف من اللّه وحده وخشيته دون سواه.
وهذا الاستفهام يفيد الإنكار والتوبيخ ولكن للمنافقين ولمن كانوا يعظمون أمر القتال ويرون أنه لا يليق برحمة الإسلام وعطفه على الناس .. ثم بعد هذا البيان الكامل أمرهم بالقتال فقال: قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ، فاللّه هو الفاعل حقيقة وأنتم باشرتم العمل في الظاهر وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى إن تقاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ، ويخزهم بالقتل والأسر والهزيمة ، وينصركم عليهم نصرا مؤزرا ما دمتم تنصرون اللّه بطاعته ، ويشف صدور قوم مؤمنين كانت قد ملئت غيظا وألما من أفعال المشركين بهم في مكة ،
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 711)