ورجح ابن جرير أن المراد بهم: كفار الجن .. لأن المؤمنين كانوا عالمين بمداراة بنى قريظة وفارس والروم لهم ... والمعنى ترهبون بذلك الإعداد عدو اللّه وعدوكم من بنى آدم الذين علمتم عداوتهم ، وترهبون به جنسا آخر من غير بنى آدم لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم ، اللّه يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا يرونهم » .
ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم المنافقون ، قال: لأن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ، ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق بين المسلمين - بطرق قد لا تعرف ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك الأفعال المذمومة » .
ولعل ما رجحه الفخر الرازي هو الأقرب إلى الصواب ، لأن عداوة المنافقين للمؤمنين كثيرا ما تكون خافية ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - في آية أخرى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيله ، وبشر المنفقين بحسن الجزاء فقال: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.
ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى:
1 -وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه ، لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم ، وخافوا بأسهم ، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم.
قال القرطبي: وقوله - تعالى - وَأَعِدُّوا لَهُمْ. أمر اللّه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء ، بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن اللّه - تعالى - لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم ، وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن أراد أن يبتلى بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ ... » « 2 » .
وقال بعض العلماء: دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية ، اتقاء بأس العدو وهجومه ، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام ، كان الإسلام عزيزا ، عظيما ، أبى الضيم ، قوى القنا ، جليل الجاه ، وفير السنا ، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض ، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار.