عن مراجعة بعض كبار المسلمين وأقويائهم ومخلصيهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - بشأن الإذن لهم بالجهاد ومقابلة عدوان الكفار بالمثل ، ثم اعتراض المنافقين وتذمرهم من فرض الجهاد وتمنّيهم أن يكون هذا الفرض قد تأخر مدة أخرى. والأولى أن تكون الرواية في مناسبة هذه الآيات لأن في أولاها إشارة صريحة إلى تلك المراجعة في حين أنه ليس في آيات النساء مثل هذه الإشارة.
وقد تبادر لنا تخريج نرجو أن يكون فيه الصواب وهو «إنكم إذا لم تنفذوا أمر اللّه وتصدقوا النية في الجهاد وتقابلوا فرضه بالرضا والطاعة تكونوا بذلك قد أطمعتم العدو وجعلتموه يفسد في الأرض ويعتدي عليكم ويقطع ما بينكم من الأرحام» واللّه أعلم.
وأسلوب الآيات قوي لاذع. يلهم ما كان لموقف مرضى القلوب والمنافقين في نفس النبي والمخلصين من أثر ، وما كان يتوقع منه من شر وخطر ومفسدة.
وفيها تلقين قوي مستمر المدى بتقبيح وقوف أية فئة من الأمة موقف الجبن والفزع والإحجام والتخاذل وعدم التضامن مع المجموع في دفع البغي والعدوان وبيان ما ينجم عن ذلك من أخطار ومفاسد لا تسلم منها هذه الفئة نفسها لا في وطنها ولا في دمها ولا في ذويها.
ولفظ سُورَةٌ هنا قد يفيد أمرا قرآنيا أو جملة قرآنية على الإطلاق أكثر منه سورة مستقلة المطلع والختام. وهذا المعنى مما يمكن أن يستفاد من هذا اللفظ في بعض المواضع التي ورد فيها كما أن من الممكن أن يستلهم منه أن هذا المعنى هو المعنى الأصلي للكلمة. [1]
«فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ» .. فاصلة بينة لا تحتمل تأويلا «وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ» .. أي الأمر به. أو بيان حكم المتخلفين عنه ، أو أي شأن من شؤونه ، إذا بأولئك «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» .. وهو وصف من أوصاف المنافقين .. يفقدون تماسكهم ، ويسقط عنهم ستار الرياء الذي يتسترون به ، وينكشف جزعهم وضعف نفوسهم من مواجهة هذا التكليف ، ويبدون في حالة تزري بالرجال ، يصورها التعبير القرآني المبدع صورة فريدة كأنها معروضة للأنظار: «رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ
(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع - (8 / 319)