فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 586

مِنَ الْمَوْتِ» ..وهو تعبير لا تمكن محاكاته ، ولا ترجمته إلى أي عبارة أخرى. وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع. والضعف إلى حد الرعشة. والتخاذل إلى حد الغشية! ويبقى بعد ذلك متفردا حافلا بالظلال والحركة التي تشعف الخيال! وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لا تعتصم بإيمان ، ولا بفطرة صادقة ، ولا بحياء تتجمل به أمام الخطر.وهي هي طبيعة المرض والنفاق!

وبينما هم في هذا التخاذل والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان بالزاد الذي يقوي العزائم ويشد القوائم لو تناولوه في إخلاص: «فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ. فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ» ..نعم. أولى لهم من هذه الفضيحة. ومن هذا الخور. ومن هذا الهلع. ومن هذا النفاق .. أولى لهم «طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» .. طاعة تستسلم لأمر اللّه عن طمأنينة ، وتنهض بأمره عن ثقة. وقول معروف يشي بنظافة الحس واستقامة القلب ، وطهارة الضمير. وأولى لهم إذا عزم الأمر ، وجد الجد ، وواجهوا الجهاد أن يصدقوا اللّه. يصدقوه عزيمة ، ويصدقوه شعورا. فيربط على قلوبهم ، ويشد من عزائمهم ، ويثبت أقدامهم ، وييسر المشقة عليهم ، ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم! ويكتب لهم إحدى الحسنين: النجاة والنصر ، أو الاستشهاد والجنة .. هذا هو الأولى. وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم ، ويذهب بالفزع ، ويحل محله الثبات والاطمئنان. [1]

وقال الله تعالى: { مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (179) سورة آل عمران .

مَا كَانَ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي عِبَادِهِ أنْ يَذَرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ امْتِحَانٍ وَتَمْحِيصٍ ، لِيَظْهَرَ لَهُ المُؤْمِنُ الصَابِرُ ، وَيَنْكَشِفَ المُنْافِقُ الفَاجِرُ ، وَيَبِينَ وَليُّ اللهِ ، وَيَفْتَضِحَ عَدُوُّهُ ، فَامْتَحَنَهُمُ اللهُ يَوْمَ أحُدٍ ، فَظَهَرَ المُؤْمِنُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِمْ ، وَهَتَكَ أَسْتَارَ المُنَافِقِينَ ، بِإِظْهَارِ مُخَالَفَتِهِمْ ،

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3296)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت