وَنُكُولِهِمْ عَنِ الجِهَادِ ، وَخِيَانَتِهِمْ لِلْرَّسُولِ ، فَعَرَفَهُمُ المُؤْمِنُونَ ، وَأخَذُوا يَحْذَرُونَهُمْ . وَأنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ لاَ تَعْلَمُونَ غَيْبَ اللهِ فِي خَلْقِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى أنْ يُطْلِعَ عَامَّةَ خَلْقِهِ عَلَى غَيْبِهِ . وَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ تَكُونَ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ تُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَالمُؤْمِنَ مِنَ المُنَافِقِ ، وَهَذِهِ الوَسِيلَةُ تَبْتَدِئُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ ، فَيُؤْمِنُ مَنْ يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ ، وَيَكْفُرَ مَنْ يَكْفُرُ ، ثُمَ يَقُومُ الرُّسُلِ بِالجِهادِ فَيَبْتَلِي الرُسُلُ أَصْحَابَهُمْ بِهِ ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَتمُّ أمْرُ اللهِ وَيَتَمَيَّزُ الخَبيثُ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَتَطْهَرُ القُلُوبُ وَالنُّفُوسُ . ثُمَّ يَدْعُو اللهُ تَعَالَى النَّاسَ إلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ - وَمِنْهُمْ مُحَمَّدُ - صلى الله عليه وسلم - وَمَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ فَقَدْ آمَنَ بِالرُّسُلِ السَّابِقِينَ جَمِيعًا ، لأَنَّهُ جَاءَ مُصَدِّقًا الرُّسُلَ السَّابِقِينَ [1] .
"قضت حكمة اللّه أن يجعل هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار للناس ، يذوق فيها بعضهم بأس بعض ، وفى هذا الاحتكاك الواقع بينهم ، تظهر أحوالهم وتنكشف أمورهم ، وتعرف معادنهم ، ولو لا ذلك لكانوا شيئا واحدا ..لا مؤمن ولا كافر ، ولا طيب ولا خبيث ، ولا محسن ولا مسيىء وقوله تعالى: « ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » هو من مقتضيات هذه الحكمة التي كان من آثارها هذا الاحتكاك الذي يدور بين المسلمين والكافرين ، والذي ابتلى فيه المؤمنون بما أصيبوا في أنفسهم وأهليهم .. فليس الإسلام هو كلمة يقولها الإنسان ليكون مسلما ، وإنما هو كلمة وراءها عمل ، ووراء العمل تبعات كثيرة ، وأعباء ثقال ، ولو لا ذلك لكان مدخل الإيمان سهلا ، لا ثمن له ، يستوى فيه من يعمل ومن لا يعمل .. بل إنه لا يجد أحد ما يدفعه إلى العمل وبذل الجهد ، إذ كان الأمر على تلك الصفة.وفى قوله تعالى: « عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ » التفات للمؤمنين واستحضار لهم ، ليكونوا في مواجهة هذا الحكم ، وليؤخذ إقرارهم به ، وما عليه المؤمنون هو العافية التي كانوا فيها قبل أن يبتلوا بلقاء الكافرين وجهادهم."
وقوله تعالى: « حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ » أي حتى يقع هذا الصدام بين المؤمنين والكافرين ، وحتى تنكشف أحوالهم ، ويعرف الصابرون وغير الصابرين ، ومن كان
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 472)