إيمانهم باللّه خالصا صادقا ، ومن كان إيمانهم على نفاق ودخل .. وعلم اللّه سبحانه ـ علم شامل ، محيط بما وقع وما لم يقع ، في جميع صوره وأحواله .. وعلمه هنا ، الذي يميز به الخبيث من الطيب ليس علما مستحدثا ، وإنما هو علم قديم يندرج تحته هذا الحال الذي يكون عليه المؤمنون وهم في هذا الامتحان الذي يؤدونه بين يدى اللّه ..
وعلى هذا ينبغى أن يفسّر ويفهم ما ورد في القرآن من علم اللّه الذي يبدو وكأنه معلق بوقوع الأحداث .. مثل قوله تعالى: « وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا » (65 ـ 66: آل عمران) ومثل قوله سبحانه: « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ » (142: آل عمران) .. ونحو هذا ..
فعلم اللّه محيط بكل شىء.وكل ما هو في علم واقع تحت هذا العلم ، في جميع أحواله المتلبس بها .. فاللّه سبحانه يعلم أزلا أن هذا الإنسان ـ مثلا ـ سيولد من أبوين ، هما فلان وفلان .. في بلد كذا ، في زمن كذا .. وقبل أن يولد هذا الإنسان هو في علم اللّه ، وبعد أن ولد هو في علم اللّه .. ولكن علم اللّه به قبل أن تحمل به أمه ، وقبل أن يولد في المكان والزمان الواقعين في علم اللّه ـ يكون المعلوم فيه على صور خاصة وصفات خاصة ، فإذا ولد ، كان المعلوم في علم اللّه على صورة غير الصورة السابقة ، وعلى صفات غير تلك الصفات التي كان عليها قبل أن يولد! .. وهكذا تتغير ذوات المعلومات وصفاتها ، وعلم اللّه محيط بها في جميع أشكالها وأحوالها ، فلا يتغيّر ولا يتبدّل.
قوله تعالى: « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ » معطوف على قوله تعالى: « ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ » ..والربط بين الحكمين لازم ، لأن عدم اطلاع المؤمنين على الغيب ، وما أراد اللّه لهم وكتب عليهم ، يقتضى أن يؤمروا وأن ينهوا وأن يدعوا إلى الامتحان والابتلاء والجهاد في سبيل اللّه ..
ولو كان الغيب مكشوفا للناس لما كان ثمّة داعية إلى أمر أو نهى ، فكلّ يعرف مصيره الذي هو صائر إليه .. ولو عرف الناس مصائرهم مقدما ، وانكشف لهم مستقبلهم خطوة