خطوة ، لما احتملت طبيعتهم البشرية هذا الموقف الذي يرى فيه الإنسان وجوده كله من مبدئه إلى نهايته ، ولكانت فتنة في الأرض وفساد كبير ..
ففى حجب المستقبل عنّا رحمة بنا ، وإحسان إلينا ، واستدعاء لوجودنا كلّه لمواجهة المجهول ، ومحاولة كشفه واستخراج ما في أطوائه ، من خير وشر ، وحلو ومرّ .. فهو على أي حال ثمرة مجهود ، وحصاد معركة!! وانظر .. لو أن إنسانا ما عرف عن يقين من سجّل القدر أنه في يوم كذا ، في ساعة كذا ، ستصدمه سيارة تقضى عليه ، أو تشبّ فيه نار فتلتهمه ، أو أن أحد أبنائه سيحدث له حادث أليم .. ما ذا تكون حالة هذا الإنسان ، منذ أن يطلع على هذا الغيب إلى أن يقع ؟ هل يهنؤه طعام ، أو يسوغ له شراب ، أو يهدأ له قلب أو يستريح له بال ؟ إنه في همّ دائم ، وكرب كارب ، وعذاب أليم ؟!
وأكثر من هذا .. لو أن هذا الإنسان اطلع الغيب فرأى ـ وهو الفقير المعدم ـ أنه بعد كذا من السنين سينال الغنى الواسع والثراء العريض ، وأنه سيشبع من جوع ، ويكتسى من عرى ، وينال ما يشتهى من متع الدنيا ، بعد هذا الحرمان الطويل .. ماذا تراه في يومه هذا ، وهو ينتظر ذلك اليوم الموعود ؟
إنه يعيش تلك السنين الفاصلة بينه وبين هذا اليوم ، في عذاب ، دونه كل عذاب .. إنه يعدّ الأيام لحظة لحظة ، ويدفع مسيرة ، الزمن بكل ما في كيانه من قوى ظاهرة وباطنه .. والزمن قائم في وجهه ، جاثم على صدره ، كأنه جبال الدنيا كلها مجتمعة عليه .. إنه يودّ أن ينام نومة أهل الكهف فلا يستيقظ إلا على يومه الموعود .. ولكن أنّى له ذلك ، وهو مشدود إلى الحياة ، مقيد بقيود الزمن الثقيلة العاتية ؟
من رحمة اللّه علينا إذن كان هذا الذي صنعه اللّه بنا ، فحجب عنّا ما أراده لنا ، وما قضاه علينا ، فنعمل بإرادة ، ونمضى بعزم ، ونعيش مع أمل ..
فقوله تعالى: « وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ » دعوة للمؤمنين إلى العمل حسب ما يأمرهم اللّه به ، وبين تلك الأوامر الجهاد في سبيل اللّه ، والثبات في وجه العدوّ ، والعمل على انتزاع النصر منه .. ذلك هو المطلوب من المؤمنين في مثل هذا الموقف .. أما ما