(وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) أي لم يكن من شأنه تعالى أن يطلع عامة الناس على الغيب ، إذ لو فعل ذلك لأخرج الإنسان من طبيعته ، فإنه تعالى خلقه يحصّل رغائبه ، ويدفع المكاره عنه بالعمل الكسبي الذي تهدى إليه الفطرة وترشد إليه النبوة.
ومن ثم جرت سنته بأن يزيل هذا اللبس ، ويميز الخبيث من الطيب بالامتحان بالشدائد ، والتضحية بالنفس وبذل المال في سبيل الحق والخير ، كما ابتلى المؤمنون في وقعة أحد بخروج العدو بجيش عظيم لمقاتلتهم ، وابتلى الرماة منهم بالمخالفة ، وإخلاء ظهور قومهم لعدوهم ، وابتلوا بظهور العدو عليهم ، جزاء ما فعلوا من المخالفة ، فظهر نفاق المنافقين ، وزلزل ضعفاء المؤمنين زلزالا شديدا ، وثبت كملة المؤمنين ، وصاروا كالجبال الرواسي التي لا تزعزعها الرياح والأعاصير (وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) أي ولكن اللّه يختار من رسله من يشاء ، فيطلعه على ما في قلوب المنافقين من كفر ونفاق ، وعلى ما ظهر منهم من أقوال وأفعال ، كما حكى عنهم بعضه فيما سلف ، ويفضحهم به على رءوس الأشهاد ، ويخلصكم من كيدهم وخداعهم.
ونحو الآية قوله: « عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا ، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » .
وفى التعبير بالاجتباء إشارة إلى أن الوقوف على أسرار الغيب منصب جليل تتقاصر عنه الهمم ، ولا يؤتيه اللّه إلا لمن اصطفاه لهداية الأمم.
وبعد أن ردّ على ما طعن به المنافقون في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - من وقوع الكوارث التي حصلت في أحد ، وبين أن فيه كثيرا من الفوائد كتمييز الخبيث من الطيب ، أمرهم بالإيمان به فقال: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي فآمنوا باللّه ورسله الذين ذكرهم اللّه في كتابه وقص علينا قصصهم.
وعمم الأمر بالإيمان بالرسل جميعا مع أن سوق الكلام في الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، للايماء إلى أن الإيمان به يقتضى الإيمان بهم ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - مصدق لما بين يديه من الرسل ، وهم شهداء على صحة نبوته.
(وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي وإن تؤمنوا بما جاءوا به من أخبار الغيب ، مع تقوى اللّه بترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به ، فلكم أجر عظيم لا يستطاع الوصول إلى