أى: إذا علمتم أيها المؤمنون أن اللّه لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، فإنه يجب عليكم أن تؤمنوا باللّه وبرسله حق الإيمان ، وإن تؤمنوا باللّه تعالى وبرسله حق الإيمان ، وتتقوا المخالفة في الأمر والنهى ، فلكم في مقابلة ذلك من اللّه تعالى ما لا يقادر قدره من الثواب العظيم ، والأجر الجزيل." [1] "
وقال المراغي:" (ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي ما كان من سنن اللّه في عباده أن يذر المؤمنين على مثل الحال التي كانوا عليها حين غزوة أحد ، حتى يميز المؤمن من المنافق ، ويظهر حال كل منهما ، لأن الشدائد هى التي تميز قوىّ الإيمان من ضعيفه ، وتزيل الالتباس بين الصادقين والمنافقين."
أما تكليف ما لا مشقة فيه كالصلاة والصدقة القليلة وغيرهما فيقبلها المنافق ، كما يقبلها صادق الإيمان ، لما فيها من حسن الأحدوثة ، والتمتع بمزايا الإسلام.
وفى الشدائد من الفوائد الشيء الكثير منها:
(1) اتقاء المنافق إذا علم نفاقه ، فقد يفضى صادق الإيمان ببعض أسرار الملة إلى المنافق ، لما يغلب عليه من حسن الظن به ، حين يراه يؤدى الواجبات الظاهرة ، ويشارك الصادقين في سائر الأعمال ، فإذا هو أفشاها عرف حاله وحذره المسلمون الصادقون.
(2) أن تروز الجماعة حالها ، إذ بتكشف أمر المنافقين تعرف أنهم عليها لا لها ، وكذلك تعرف حال ضعاف الإيمان الذين لم تربّهم الشدائد.
(3) إنها تدفع الغرور عن النفس ، إذ يغتر المؤمن الصادق فلا يدرك ما في نفسه من ضعف في الاعتقاد والأخلاق حتى تمحّصه الشدائد وتبيّن له حقيقة أمره.
وقد يدور بخلد بعض الناس أن أقرب وسيلة لتمييز المؤمن الصادق من المنافق ، أن يطلع اللّه المؤمنين على الغيب حتى يعرفوا حقائق أنفسهم وحقائق الناس الذين يعيشون بين ظهرانيهم ، فيعرفوا أن فلانا من أهل الجنة ، وفلانا من أهل النار ، فأجاب اللّه عن هذا فقال:
(1) - التفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي - (2 / 350)