فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 586

قال ابن كثير: أى لا بد أن يعقد سببا من المحنة ، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه ، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر ، يعنى بذلك يوم أحد الذي امتحن اللّه به المؤمنون فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم للّه ولرسوله وهتك به ستار المنافقين ، فظهرت مخالفتهم ، ونكولهم عن الجهاد ، وخيانتهم اللّه ولرسوله. قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد » « » .

وعبر - سبحانه - عن المؤمن بالطيب ، وعن المنافق بالخبيث ، ليسجل على كل منهما ما يليق به من الأوصاف ، وللإشعار بعلة الحكم.

وقوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ معطوف على قوله ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ.

والغيب: ضد المشاهد. وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن طريق الوحى من اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.واجتبى: من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء.

أى: وما كان اللّه تعالى ليعطى أحدا منكم - معشر المؤمنين - علم الغيوب الذي به تعرفون المؤمن من المنافق ، إذ علم ذلك له وحده ، ولكنه - سبحانه - يصطفى من رسله من يريد اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب ، وذلك كما حدث لنبيكم - صلى الله عليه وسلم - فقد أطلعه - سبحانه - على ما دبره له اليهود حين هموا باغتياله ، وأطلعه على حال تلك المرأة التي أرسلها حاطب بن أبى بلتعة برسالة إلى قريش لتخبرهم باستعداد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحربهم. وأطلعه على بعض أحوال المنافقين.

قال تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ « 1 » وفي قوله تعالى وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية ، لا يتأتى إلا ممن رشحه اللّه - تعالى - لمنصب جليل ، تقاصرت عنه همم الأمم ، واصطفاه على الناس لإرشادهم.

ثم أمر اللّه تعالى عباده أن يثبتوا على الإيمان ، وبشرهم بالأجر العظيم إذ هم استمروا على ذلك فقال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت