قُلُوبِهِمْ » (15: التوبة) فى هذه الآيات وكثير غيرها يرى رسول اللّه ويرى المؤمنون معه واقع هذه الوعود ماثلا بين أيديهم ، وكأنهم قد اطلعوا الغيب وعاينوا ما سيكون قبل أن يكون! لما نزل قوله تعالى « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » (45: القمر) استيقن المسلمون أن جمع الكافرين سيهزم بأيديهم وسيولّى الدبر .. هذا ما لم يكن يشكّ فيه مؤمن ، حتى لكأنه يراه رأى العين ، ولكن الرؤية لم تكن كاملة ، حيث لم ينكشف للمسلمين هذا اليوم الذي سيتحقق فيه هذا الوعد الذي وعدهم اللّه إياه .. فلما كان يوم بدر انكشف ما كان مستورا ، ورأى المسلمون الجمع المنهزم ، وفى هذا كان يقول عمر بن الخطاب: « ما كنت أدرى أي جمع هذا الذي سيهزم حتى رأيت جمع قريش يوم بدر ، وهم منهزمون يولّون الأدبار » .
وقوله تعالى: « فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ » دعوة يستجيب لها كل ذى عقل ووعى ، حيث كانت تلك الدعوة من عند اللّه ، وكان حاملوها رسلا من عند اللّه ، وكانت مضامينها حقّا مطلقا ، ووعودها واقعا محققا ، لأنها من أبناء الغيب وقد أطلع اللّه عليها رسله والمؤمنين به ، فيما حملت آياته إليهم من أمر ونهى ، ومن خبر او وعد!
وليس الإيمان وحده مجردا من العمل هو الذي يعطى الثمرة المرجوة من الإيمان .. إذ لا بد من أن يصحب الإيمان عمل يدعو إليه الإيمان ، ويرسم حدوده ، وثمرة هذا العمل هى التقوى ، التي يحقق بها المؤمن حقيقة الإيمان ..وبهذا يدرج في سلك المؤمنين ، ويحظى من اللّه بالجزاء الأوفى ، والأجر العظيم. [1]
فليس من شأن اللّه - تعالى - ولا من حكمته وسنته في خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم ، بل الذي من شأنه وسنته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين ، وينفصل الأخيار عن الأشرار.
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 650)