وذلك هو الذي يعطى الحياة حيوية ، وهو الذي يغرى الناس بالسعي والعمل ، لينتقلوا من حال إلى حال ، ومن وضع إلى وضع .. ولو أخذ الناس بوضع ثابت مستقر ـ ولو كان ذلك في أحسن حال ، وأمكن وضع ـ لماتت في أنفسهم نوازع التطلعات إلى المستقبل ، ولخمدت فيهم جذوة الحماس للكفاح والنضال.
وقوله تعالى: « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ » بيان لحكمة اللّه من هذا الابتلاء .. ففى هذا الابتلاء ، وتحت وطأة القتال ، ينكشف إيمان المؤمنين ، ويعرف ما عندهم من صدق وبلاء .. فيكتب لهم ما كان في علم اللّه ، وما وقع منهم ، وهو أنهم مؤمنون مجاهدون! وفى قوله تعالى: « وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ » إشارة إلى أن جماعة المؤمنين الذين كانوا مع النبىّ في أحد ـ كانوا جميعا على درجة عالية من الإيمان ، وأنّ أنزلهم درجة في هذا الإيمان كان مؤهلا لأن يكون في عداد الشهداء ، ولهذا جاء قوله تعالى: « وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ » خطابا لهم جميعا ، وكان نسق النظم أن يجىء هكذا: « وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ » ، ولكنّ هذا يعزل بعض المجاهدين عن أن يكونوا في المؤمنين ، الصالحين لأن يتخذ اللّه منهم شهداء ..
وفى قوله تعالى: « وَيَتَّخِذَ » إشارة كريمة إلى هذا المقام الكريم الذي يرتفع إليه الشهداء ، وأنهم خيار المؤمنين ، والمصطفين منهم ، ولهذا اتخذهم اللّه شهداء .. إذ الاتخاذ أخذ عن اختبار واختيار .. وفى قوله تعالى: « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » تحريض للمسلمين على قتال المشركين ، واحتمال المكروه في سبيل إضعافهم أو القضاء عليهم ، لأنهم ظالمون لأنفسهم ، بصرفها عن الهدى إلى الضلال ، وظالمون للإنسانية إذ هم قوى شريرة عاملة على طمس معالم الهدى وصدّ الناس عن الخير .. « وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » ومن لا يحبّه اللّه فهو عدو للّه ، يجب على أولياء اللّه أن يعادوه ، ويخلّصوه من الذي في يديه ، يرمى به نفسه ، ويصيب به الناس.
وقوله تعالى: « وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ » أي من تمام حكمة هذا الابتلاء فيما بين المؤمنين والكافرين أن يمحّص اللّه المؤمنين بهذا الابتلاء ، وينقيهم من