دخائل الضعف والوهن ، بملاقاة الشدائد والصبر عليها ، كما أن في هذا الابتلاء إضعافا لشوكة الكافرين وتوهينا لقوى البغي والعدوان ، المتربصة بالإيمان وبالمؤمنين.
وقوله تعالى: « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ » بيان آخر للحكمة من هذا الابتلاء الذي ابتلى اللّه به المؤمنين ، في قتال الكافرين ، وهو أن هذا الابتلاء هو الذي يكشف عن إيمان المؤمنين ، وصبرهم على المكروه ، واحتمالهم الأذى في سبيل اللّه ، وذلك هو الذي يميز الخبيث من الطيب ، ويجعل لكلّ مكانه عند اللّه .. فالجنة للمجاهدين الصابرين .. والنار للمشركين المعاندين." [1] "
"انظروا أيها المسلمون فأنتم أولى بالنظر والاعتبار ، انظروا إلى من تقدمكم من الأمم ، سيروا في الأرض حتى تقفوا على أخبار الماضين فستجدون أن للّه طريقا واحدا لا يختلف: سُنَّةَ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا فإن أنتم أيها المسلمون سرتم سير الطائعين الموفقين ، وصلتم إلى ما وصلوا إليه حتما ، وإن سرتم سير العصاة المكذبين كانت عاقبتكم خسرا ، وفي هذا تنبيه لمن خالف النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد."
فكأنهم انتصروا يوم بدر لسلوكهم سبيل الطائعين المتوكلين على اللّه وهزموا يوم أحد لأنهم تنازعوا ففشلوا وخالفوا أمر الرسول ولم يصبروا ولم يتقوا كما أمروا ، ففي الآية الكريمة سبيل الأمن والخوف ، وفي طيها الوعد والوعيد ، والقرآن الكريم يشير في جملته إلى أن مشيئة اللّه تسير على نظم ثابتة قد ربطت فيها الأسباب بالمسببات وإن يكن اللّه قادرا على كل شيء ، ففي الحرب أو الزرع أو التجارة مثلا إذا سار فيها صاحبها على الطرق المألوفة والنظم المحكمة نجح وإن كان شريرا مجوسيا. وإن جانب المألوف وركب رأسه واتبع غير المعقول كان من الخاسرين ولو كان شريفا علويّا ، وأحق الناس بالسير على المعقول والاستفادة بهدى القرآن هم المؤمنون في كل ما يأتون ويذرون والسير في الأرض ومشاهدة الآثار أثبت في معرفة الأخبار من التاريخ ورواية الأخبار « فما راء كمن سمعا » .
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 600)