ونفى العلم من اللّه دليل على عدم وقوع الجهاد والصبر منكم فهو أبلغ من نفى الجهاد والصبر ، إذ هو كالدعوى ودليلها ، شبيه بهذا قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا.
روى عن الحسن أنه قال: بلغني أن رجالا من أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك ، فلا واللّه ما كلهم صادق ، فأنزل اللّه: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ.
نعم لقد كان كثير منكم يتمنى لو يستشهد في سبيل اللّه تمنيا من نفسه استحق أن يعبر عنه المولى بهذا التأكيد: وَلَقَدْ كُنْتُمْ حتى إذا جد الجد وقامت الحرب وشاهدتم بأعينكم مشاهدة كاملة وأنتم تنظرون نظرة فاحصة ليست عاجلة ، توانيتم وانحزتم إلى الجبل وأصعدتم فيه لا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فلا يجيبه أحد." [1] "
وقال المراغي:" (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ) أي إن أمر البشر في اجتماعهم وما يعرض فيه من مصارعة الحق للباطل ، وما يلابس ذلك من الحرب والطعان والنزال والملك والسيادة يجرى على طرق قويمة وقواعد ثابتة اقتضتها الحكمة والمصلحة العامة."
وقد جاء ذكر السنن الإلهية في مواضع من الكتاب الكريم كقوله: « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ » وقوله: في سياق دعوة الإسلام « وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا » .
والمراد بذلك أن مشيئة اللّه في خلقه تسير على سنن حكيمة من سار عليها ظفر وإن كان ملحدا أو وثنيا ، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقا أو نبيا ، وعلى هذا فلا عجب أن ينهزم المسلمون في وقعة أحد ، وأن يصل المشركون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيشجوا رأسه ، ويكسروا سنه ، ويردوه في حفرة.
والمسلمون الصادقون أولى الناس بمعرفة تلك السنن في الأمم وأجدر الناس بأن يسيروا على هديها ، لذلك لم يلبث أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ثابوا إلى رشدهم يومئذ ورجعوا إلى الدفاع عن نبيهم وثبتوا حتى انجلى المشركون عنهم ولم ينالوا ما كانوا يقصدون.
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (1 / 286)