العمل ، وأعظمهم تفانيا في أداء الواجب اتباعا للنواميس والسنن التي وضعها اللّه في الخليقة.
وقد تجلى أثر هذا التمحيص في الغزوات التي تلت هذه الوقعة ففى غزوة (حمراء الأسد) أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يتبع المشركين فيها إلا من شهد القتال بأحد فامتثل المؤمنون أمره بقلوب مطمئنة ، وعزائم صادقة ، وهم على ما هم عليه من الجراح المبرّحة ، والقلوب المنكسرة.
(وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ) أي ويجعل اليأس يسطو على قلوبهم ، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم ، فلا يبقى لديهم شجاعة ولا بأس ، ولا قلّ ولا كثر من عزة النفس ، فيكون وجودهم كالعدم لا فائدة فيه ، ولا أثر له ، فالكافرون المبطلون لا يثبت لهم حال مع المؤمنين الصادقين ، وإنما يظهرون إذا لم يوجد من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.
وكثيرا ما يحدث للداعى التلف والهلاك ، أو ثلم العرض ، أو الإخراج من حظيرة الدين.
(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) هذا خطاب لمن شهد من المسلمين وقعة أحد.
ذاك أن كثيرا من الصحابة وبعضهم لم يشهد بدرا - كانوا يلحّون في الخروج إلى أحد حيث عسكر المشركون ليكون لهم يوم كيوم بدر ، ويتمنون أن يلقوا الأعداء ويصيبوا من الخير مثل ما أصاب أهل بدر.
روى عن الحسن أنه قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفعلنّ ولنفعلنّ فابتلوا بذلك ، فلا واللّه ما كلّهم صدق فأنزل اللّه عز وجل (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ) الآية.
ومعنى قوله فقد رأيتموه - أنكم شاهدتم أسبابه من ملاقاة الشجعان بعدّتهم وأسلحتهم وكرّهم وفرهم ، مشاهدة لا خفاء فيها ولا شبهة ، وكان لها الأثر العميق في نفوسكم.
ومعنى تمنى الموت تمنى الشهادة في سبيل اللّه والقتال لنصرة الحق ولو ذهبت نفوسكم دونه.
وصفوة القول - لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الميدان ، فهأنتم أولاء قد رأيتم ما كنتم تتمنونه ، وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه ، فما بالكم دهشتم عند ما وقع