الموت فيكم ، وما بالكم تحزنون وتضعفون عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون ، ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغى أن يحزنه لقاؤه ويسوءه.
وفى الآية الكريمة تنبيه لكل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي ، وهديه إلى اختبار نفسه بالعمل الشق وعدم الثقة منها بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق ، حتى يأمن الدعوى الخادعة التي يتوهم فيها أنه صادق فيما يدّعى مع الغفلة أو الجهل بعجزه عنه.
وكثيرا ما يتصور بعض الناس أنه يحب ملته ووطنه ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له أن يساهم في تلك الخدمة بنفسه أو بماله ، حتى إذا احتيج إليه وجد من نفسه الضعف ، فأعرض عن العمل قبل الشروع ، أو بعد أن ذاق مرارته وكابد مشقته.
ولكن المؤمن حقا من وصل الأمر به إلى حد اليقين فيما يعتقد أنه حق ، وذلك يستدعى العمل مهما كان شاقا ، والجهاد مهما كان عسيرا ، والصبر على المكاره ، وإيثار الحق على الباطل.
وقد كان فيمن خوطبوا بهذه الآية جماعة ممن كانوا في المرتبة العليا من صدق الجهاد والصبر على المكاره ، وأولئك هم المجاهدون الذين ثبتوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبات الجبال الراسيات ، وهم نحو ثلاثين رجلا ، لكنه جعل الخطاب عاما ليكون الإرشاد والنصح عاما للجميع ، فيتهم ذو المراتب العالية أنفسهم بالتقصير ، فيزدادوا كمالا على كمالهم ، ويرعوى المقصرون وينزعوا عن خداع أنفسهم لهم ، وهذا من التمحيص العظيم الذي له أجمل العواقب في تهذيب الأنفس ، وقد ظهر أثر ذلك في نفوس أولئك القوم فيما بعد ، وربّاهم تربية كانت بها عزائمهم ماضية ، وهممهم صادقة ، فلم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا فيما حاولوه من جسيم الأمور." [1] "
لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة ، وأصابهم القتل والهزيمة. أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير. قتل منهم سبعون صحابيا ، وكسرت رباعية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشج وجهه ، وأرهقه المشركون ، وأثخن أصحابه بالجراح .. وكان من نتائج هذا
(1) - تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (4 / 75)