فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 586

الصف ويتكشف عن: مؤمنين ومنافقين ، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم ، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم. ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده ، وهم مختلطون مبهمون! واللّه سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين. واللّه سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور. ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء ، وتجعله واقعا في حياة الناس ، وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر ، وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر ، ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء. فاللّه سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم.

ومداولة الأيام ، وتعاقب الشدة والرخاء ، محك لا يخطئ ، وميزان لا يظلم. والرخاء في هذا كالشدة.

وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ، ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل. والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء ، وتتجه إلى اللّه في الحالين ، وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن اللّه.

وقد كان اللّه يربي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية - فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء ، والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب - وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن اللّه الجارية في النصر والهزيمة. لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة. ولتزيد طاعة للّه ، وتوكلا عليه ، والتصاقا بركنه. ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين.

ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة اللّه فيما وقع من أحداث المعركة ، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس ، وفيما بعد تمييز الصفوف ، وعلم اللّه للمؤمنين: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» ..وهو تعبير عجيب عن معنى عميق - إن الشهداء لمختارون. يختارهم اللّه من بين المجاهدين ، ويتخذهم لنفسه - سبحانه - فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل اللّه من يستشهد. إنما هو اختيار وانتقاء ، وتكريم واختصاص .. إن هؤلاء هم الذين اختصهم اللّه ورزقهم الشهادة ، ليستخلصهم لنفسه - سبحانه - ويخصهم بقربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت