ثم هم شهداء يتخذهم اللّه ، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس. يستشهدهم فيؤدون الشهادة.
يؤدونها أداء لا شبهة فيه ، ولا مطعن عليه ، ولا جدال حوله. يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق ، وتقريره في دنيا الناس. يطلب اللّه - سبحانه - منهم أداء هذه الشهادة ، على أن ما جاءهم من عنده الحق ، وعلى أنهم آمنوا به ، وتجردوا له ، وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق وعلى أنهم هم استيقنوا هذا ، فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس ، وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج اللّه في حكم الناس .. يستشهدهم اللّه على هذا كله فيشهدون. وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت. وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال! وكل من ينطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه. لا يقال له إنه شهد ، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها. ومدلولها هو ألا يتخذ إلا اللّه إليها. ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من اللّه. فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد وأخص خصائص العبودية التلقي من اللّه .. ومدلولها كذلك ألا يتلقى من اللّه إلا عن محمد بما أنه رسول اللّه. ولا يعتمد مصدرا آخر للتلقي إلا هذا المصدر ..
ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية للّه وحده في الأرض ، كما بلغها محمد - صلى الله عليه وسلم - فيصبح المنهج الذي أراده اللّه للناس ، والذي بلغه عنه محمد - صلى الله عليه وسلم - هو المنهج السائد والغالب والمطاع ، وهو النظام الذي يصرّف حياة الناس كلها بلا استثناء.
فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله ، فهو إذن شهيد. أي شاهد طلب اللّه إليه أداء هذه الشهادة فأداها. واتخذه اللّه شهيدا .. ورزقه هذا المقام.
هذا فقه ذلك التعبير العجيب: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ..» ..
وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، ومقتضاه .. لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع! «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ..