فهرس الكتاب
وَيَقُولُ تَعَالَى: يَسْألُكَ المُسْلِمُونَ عَنِ الأَنْفَالِ . قُلْ: هِيَ للهِ يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِهِ ، وَلِلرَّسُولِ يَقْسِمها وَفْقًا لِمَا شَرَعَهُ اللهُ ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أُمُورِكُمْ ، وَاجْتَنِبُوا مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخِلافِ حَوْلَ قِسْمَتِها ، وَأَصْلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ ، وَلا تَخْتَصِمُوا وَلا تَتَظَالَمُوا ، وَلاَ تَتَشَاتَمُوا ، وَلاَ يُعَنِّفُ بَعْضُكُمْ بَعضًا ، فَمَا آتَاكُمُ اللهُ مِنَ الهُدى خَيْرٌ مِمَّا تَخْتَصِمُونَ فِيهِ ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي قِسْمَتِهَا ، فَإِنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا يَقْسِمُها وَفْقًا لِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ ، مِنْ عَدْلٍ وَإِنْصَافٍ ، وَالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ ، ذَوُو الإِيمَانِ الكَامِلِ ، هُمُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا حَكَمَ ، وَيُطِيعُونَ رَسُولَهُ فِيمَا قَسَمَ . [1]
كانت غزوة بدر أول موقف وقفه المسلمون إزاء الغنائم التي وقعت لأيديهم من يد أعدائهم في ميدان القتال .. ولهذا اضطربت مشاعر المسلمين فيها ، واختلفت أنظارهم عليها .. فمن قائل إنها لمن جمع الغنائم وحازها ليده ، ومن قائل إنها لمن قائل والتحم بالعدو .. ومن قائل ـ إنها لمن شهد القتال ، قاتل أو لم يقاتل ، حاز غنيمة أو لم يحزها .. ومن قائل إنها للجماعة الإسلامية التي كانت تضمها المدينة .. وهكذا توزعت مشاعر المسلمين وعواطفهم ، في مواجهة هذا الطارق الغريب ، الذي أطلّ عليهم بوجهه ، لأول مرة ..ولو ترك هذا الموقف للمسلمين يقضون فيه برأيهم ، ويلتقون فيه على رأى ، لما كان في هذا ما يحسم الموقف ، ويجمع هذا العواطف المشتتة ، وتلك النوازع المختلفة .. فإن أي رأى يلتقى عنده المسلمون ، لم يرض نفرا منهم أيّا كان عدده ..
وتلك لا شك ثلمة في بناء الجماعة التي لا تزال على أول الطريق ، في استكمال كيانها ، ودعم بنائها ، بل هو صدع في هذا البناء ، تزيده الأيام عمقا واتساعا ، إن لم يكن في الحساب توقّيه قبل أن يقع .. حتى يحفظ هذا الجسد سليما معافى من أيّة آفة ، تندس إليه ، وتنفث سمومها فيه. ولهذا جاءت كلمة الفصل من السماء ، حتى لا يكون لقائل قول ، ولو كان الرسول الكريم نفسه ، والذي لو قال كلمة هنا لتلقاها المسلمون بالقبول والرضا ، ولسكن عندها كل خاطر ، ولماتت بعدها كل نازعة أو وسواس ، لما للرسول في نفوس
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1162)