ولهذا ، فقد ظلّ حكم الأنفال قائما ، إلى جوار الحكم الخاص بالغنائم .. فكان ما يقع للمسلمين من غير بلاء هو « أنفال » يكون أمرها للّه ولرسول اللّه .. وما يقع لهم من غنائم فهو على الحكم الذي بينته الآية الكريمة: « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ .. الآية » والتي سنعرض لشرحها بعد قليل. ففى غزوة خيبر سلّم اليهود للنبىّ والمسلمين من غير قتال ، وذلك بعد أن سار إليهم النبىّ والمسلمون بعد صلح الحديبية ، فلما استشعروا الهزيمة والهلاك أعطوا يدهم واستسلموا صاغرين .. وفى هذا نزل قوله تعالى: « إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا » .. وقد اعتبرت مغانم خيبر أنفالا ، كلها ليد الرسول ، ينفقها فيما أمره اللّه به أن ينفقها فيه .. وفى هذا يقول اللّه تعالى: « وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ « 1 » عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ».. ثم يقول سبحانه بعد هذا: « ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » (6 ـ 7: الحشر) .فقد جعل اللّه سبحانه الفيء هنا كلّه للّه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين ، ولم يجعل فيه نصيبا مفروضا للمجاهدين ، حيث لم تقع حرب ، ولم يكن قتال .. نعود بعد هذا إلى شرح الآيات:فقوله تعالى: « وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ » هو بيان لحكم اللّه في الغنائم التي يغنمها المجاهدون بسيوفهم في القتال .. فهى ثمرة عاجلة من ثمرات جهادهم .. ولو كان القتال لحسابهم لكانت هذه المغانم كلها لأيديهم ، وأمّا وهم إنما يقاتلون لحساب الإسلام ، ولإعلاء كلمة اللّه ، فقد وجب أن يكون للّه حقّ في هذه المغانم ، بل وجب أن تكون هذه المغانم كلّها حقّا للّه .. ولكن اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ عاد بفضله على المجاهدين ، فعجّل لهم هذه الثمرة من جهادهم ، وجعلها حظّا مشاعا بينهم ، بعد أن يخرج منها الخمس الذي هو للّه ولرسوله ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
فالمغانم التي يغنمها المجاهدون في القتال تقسمّ هكذا: