وقال المراغي:"لما أمر اللّه سبحانه بقتال الكفار المعتدين الذين كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم حتى لا تكون فتنة ، ووعد المؤمنين بالنصر عليهم ، وكان ذلك مستتبعا لأخذ الغنائم منهم ناسب أن يذكر بعده ما يرضيه سبحانه في قسمة الغنائم على الوجه الذي شرعه. والجمهور على أن هذه الآية نزلت في غزوة بدر ، وعلى أن ابتداء فرض قسمة الغنائم كان بها."
(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) أي واعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتموه من الكفار المحاربين ، فاجعلوا أوّلا خمسه للّه تعالى ينفق فيما يرضيه من مصالح الدين العامة كالدعوة للإسلام ، وإقامة شعائره وعمارة الكعبة وكسوتها ، ثم أعطوا للرسول منه كفايته لنفسه ونسائه مدة سنة ، ثم أعطوا منه ذوى القربى من أهله وعشيرته نسبا وولاء ، وقد خص الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك ببني هاشم وبنى أخيه المطّلب المسلمين ، دون بنى عبد شمس ونوفل ، ثم المحتاجين من سائر المسلمين ، وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل.
روى البخاري عن مطعم بن جبير (من بنى نوفل) قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان (من بنى عبد شمس) إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول اللّه أعطيت بنى المطلب وتركتنا ، ونحن وهم بمنزلة واحدة. فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - « إنما بنو المطلب وبنو هاشم شىء واحد » .
وسرّ هذا أن قريشا لما كتبت الصحيفة وأخرجت بنى هاشم من مكة وحصرتهم في الشعب لحمايتهم له - صلى الله عليه وسلم - دخل معهم فيه بنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل - إلى ما كان من عداوة بنى أمية بن عبد شمس لبنى هاشم في الجاهلية والإسلام ، فقد ظل أبو سفيان يقاتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ويؤكّب عليه المشركين وأهل الكتاب إلى أن أظفر اللّه رسوله ودانت له العرب بفتح مكة ، وكذلك بعد الإسلام خرج معاوية على علىّ وقاتله.
والحكمة في تقسيم الخمس على هذا النحو - أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بد لها من الملل لتستعين به على القيام بالمصالح العامة كشعائر الدين والدفاع عن الأمة ، وهو ما جعل للّه في الآية ، ثم نفقة رئيس حكومتها ، وهو سهم الرسول فيها ، ثم ما كان لأقوى