وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ:"فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُعَلَّلُ مَحْذُوفًا مَعْنَاهُ: وَلِيَتَمَيَّزَ الثَّابِتُونَ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ الَّذِينَ عَلَى حَرْفٍ فَعَلْنَا ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ ، بِمَعْنَى فَعَلْنَا ذَلِكَ فِعْلَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ مِنَ الثَّابِتُ مِنْكُمْ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ الثَّابِتِ ، وَإِلَّا فَإِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا . وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لِيُعَلِّمَهُمْ عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ وَهُوَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَوْجُودًا مِنْهُمُ الثَّبَاتُ . وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَحْذُوفَةً وَهَذَا عَطْفٌ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ وَفَعَلْنَا ذَلِكَ (أَيْ مُدَاوَلَةَ الْأَيَّامِ) لِيَكُونَ كَيْتَ وَكَيْتَ (أَيْ مِنَ الْمَصَالِحِ) وَلِيَعْلَمَ اللهُ . وَإِنَّمَا حُذِفَ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيمَا فَعَلَ لَيْسَتْ بِوَاحِدَةٍ لِيُسَلِّيَهُمْ عَمَّا جَرَى عَلَيْهِمْ وَلِيُبَصِّرَهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ يَسُوؤُهُ مَا يُجْرَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَصَائِبِ وَلَا يَشْعُرُ أَنَّ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ مَا هُوَ غَافِلٌ عَنْهُ"اهـ . وَجَعَلَ ابْنُ جَرِيرٍ التَّقْدِيرَ هَكَذَا: وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ يُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا التَّعْبِيرِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ فِيهِ ، وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِعِلْمِ اللهِ فِيهِ عِلْمُ عِبَادِهِ وَأَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَهُ بِعِلْمِ الظُّهُورِ أَيْ لِيُظْهِرَ عِلْمَهُ بِذَلِكَ ، وَقَالَ هُنَا مُوَضِّحًا قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ عِلْمُ الظُّهُورِ ، قَالُوا: إِنَّ الْعِلْمَ بِالشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ سَيَقَعُ ثَابِتٌ فِي الْأَزَلِ فَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَصَلَ تَغَيُّرٌ فِي ذَلِكَ الْمَعْلُومِ فَصَارَ حَالًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا ، فَهَلْ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ الْوُقُوعِ هُوَ عَيْنُ تَعَلُّقِهِ بِهِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى قُبَيْلِ وُقُوعِهِ ؟ قَالَ الْحُكَمَاءُ: إِنَّ الْزَمَنَ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ فَلَيْسَ هُنَاكَ تَقَدُّمٌ وَلَا تَأَخُّرٌ وَلَا مُتَقَدِّمٌ وَلَا مُتَأَخِّرٌ ، فَتَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ وَاحِدٌ فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ مَعْنَى وَلِيَعْلَمَ اللهُ لِيُظْهِرَ عِلْمَهُ لِلنَّاسِ بِظُهُورِ الْمَعْلُومِ لَهُ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [8: 37] أَيْ يَعْلَمُ النَّاسُ ذَلِكَ وَيُمَيِّزُونَهُ .
وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ أَزَلًا وَأَبَدًا ، وَلَكِنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا سَتَقَعُ غَيْرُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِهَا وَهِيَ وَاقِعَةٌ ، فَذَلِكَ عِلْمٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيهِ الْمَعْلُومُ فِي الْوُجُودِ ، وَهَذَا عِلْمٌ ظَهَرَ مُتَعَلِّقُهُ وَوُجِدَ . وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ:"وَلِيَعْلَمَ"الثَّانِي .