فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 586

الدَّوْلَةُ فِيهِ لِهَؤُلَاءِ مَرَّةً وَهَؤُلَاءِ مَرَّةً ، وَدَالَتِ الْأَيَّامُ دَارَتْ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مُدَاوَلَةَ الْأَيَّامِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ ، فَلَا غَرْوَ أَنْ تَكُونَ الدَّوْلَةُ مَرَّةً لِلْمُبْطِلِ وَمَرَّةً لِلْمُحِقِّ . وَإِنَّمَا الْمَضْمُونُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ تَكُونَ الْعَاقِبَةُ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ .

قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: هَذِهِ قَاعِدَةٌ كَقَاعِدَةِ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أَيْ هَذِهِ سُنَّةٌ مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ بَيْنَ النَّاسِ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الْمُحِقِّينَ وَالْمُبْطِلِينَ ، وَالْمُدَاوَلَةُ فِي الْوَاقِعِ تَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَى أَعْمَالِ النَّاسِ . فَلَا تَكُونُ الدَّوْلَةُ لِفَرِيقٍ دُونَ أَخَرَ جُزَافًا ، وَإِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ عَرَفَ أَسْبَابَهَا وَرَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا . أَيْ إِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ فَعَلَيْكُمْ أَلَّا تَهِنُوا وَتَضْعُفُوا بِمَا أَصَابَكُمْ لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الدَّوْلَةَ تَدُولُ . وَالْعِبَارَةُ تُومِئُ إِلَى شَيْءٍ مَطْوِيٍّ كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ ، وَهُوَ أَنَّ لِكُلِّ دَوْلَةٍ سَبَبًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَتِ الْمُدَاوَلَةُ مَنُوطَةً بِالْأَعْمَالِ الَّتِي تُفْضِي إِلَيْهَا كَالِاجْتِمَاعِ وَالثَّبَاتِ وَصِحَّةِ النَّظَرِ وَقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ وَأَخْذِ الْأُهْبَةِ وَإِعْدَادِ مَا يُسْتَطَاعُ مِنَ الْقُوَّةِ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَقُومُوا بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ وَتُحْكِمُوهَا أَتَمَّ الْإِحْكَامِ . وَفِي الْجُمْلَةِ مِنَ الْإِيجَازِ وَجَمْعِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْقَلِيلَةِ مَا لَا يُعْهَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ .

ثُمَّ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُقِيمَ سُنَّتَهُ فِي مُدَاوَلَةِ الْأَيَّامِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ [3: 167] أَيْ يُمَيِّزُهُمْ مِنْهُمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي إِجْمَالِ الْقِصَّةِ وَسَيَأْتِي ذِكْرٌ لَهُمْ فِي الْآيَاتِ ، فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَذْهَبُ الْعُقُولُ فِي تَعْيِينِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ ، وَتَبْحَثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ فِي كُلِّ فَجٍّ ، أَوْ تَلْتَمِسُهُ فِي فَوَائِدِ قَاعِدَةِ جَعْلِ الْأَيَّامِ دُوَلًا بَيْنَ النَّاسِ ، وَعَدَمِ حَصْرِ الظَّفَرِ وَالنَّصْرِ فِي قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ ، فَكُلَّ مَا وَجَدْتَهُ يَصْلُحُ حِكْمَةً وَعِلَّةً لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَدَدْتَهُ مِنَ الْمَطْوِيِّ الْمَحْذُوفِ ، وَأَعَمُّهُ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ آنِفًا وَهُوَ أَنْ يُقَالَ فِي التَّقْدِيرِ: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ لِيَقُومَ بِذَلِكَ الْعَدْلُ وَيَسْتَقِرَّ النِّظَامُ ، وَيَعْلَمَ النَّاظِرُ فِي السُّنَنِ الْعَامَّةِ ، وَالْبَاحِثُ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْبَالِغَةِ ، أَنَّهُ لَا مُحَابَاةَ فِي هَذِهِ الْمُدَاوَلَةِ ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ الِاجْتِمَاعِيَّ الَّذِي يُدَالُ بِهِ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ مِمَّا يَظْهَرُ وَيَتَمَيَّزُ بِهِ الْإِيمَانُ الصَّحِيحُ مِنْ غَيْرِهِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت