فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ كَانَ أَوْلَى بِالْحَقِّ إذْ ذَاكَ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَإِذَا كَانَ الشَّخْصُ أَوْ الطَّائِفَةُ مَرْجُوحًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِأَمْرِ اللَّه وَأَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ طَاعَةً وَغَيْرُهُ أَطْوَعَ مِنْهُ . وَأَمَّا كَوْنُ بَعْضِهِمْ بَاغِيًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ؛ مَعَ كَوْنِ بَغْيِهِ خَطَأً مَغْفُورًا أَوْ ذَنْبًا مَغْفُورًا: فَهَذَا أَيْضًا لَا يَمْنَعُ مَا شَهِدَتْ بِهِ النُّصُوصُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَ عَنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَظَمَتِهِمْ وَلَا رَيْبَ أَنْ جُمْلَتَهُمْ كَانُوا أَرْجَحَ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ . وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَانَ يُفَضِّلُهُمْ فِي مُدَّةِ خِلَافَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَامْتَنَعَ مِنَ الذَّهَابِ إلَى الْعِرَاقِ وَاسْتَشَارَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ حِينَ وَفَاتِهِ لَمَّا طُعِنَ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَوَّلًا وَهُمْ كَانُوا إذْ ذَاكَ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَهْلَ الشَّامِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَكَانُوا آخِرَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ - هَكَذَا فِي الصَّحِيحِ .
وَكَذَلِكَ الصِّدِّيقُ كَانَتْ عِنَايَتُهُ بِفَتْحِ الشَّامِ أَكْثَرَ مِنْ عِنَايَتِهِ بِفَتْحِ الْعِرَاقِ حَتَّى قَالَ: لَكَفْرٌ مِنْ كُفُورِ الشَّامِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ فَتْحِ مَدِينَةٍ بِالْعِرَاقِ .
وَالنُّصُوصُ الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي فَضْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْغَرْبِ عَلَى نَجْدٍ وَالْعِرَاقِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ هُنَا بَلْ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَمِّ الْمَشْرِقِ وَأَخْبَارِهِ"بِأَنَّ الْفِتْنَةَ وَرَأْسَ الْكُفْرِ مِنْهُ"مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَإِنَّمَا كَانَ فَضْلُ الْمَشْرِقِ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (رضي الله عنه ) وَذَاكَ كَانَ أَمْرًا عَارِضًا ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ذَهَبَ عَلِيٌّ ظَهَرَ مِنْهُمْ مَنَ الْفِتَنِ وَالنِّفَاقِ وَالرِّدَّةِ وَالْبِدَعِ: مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا أَرْجَحَ . وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا رَيْبَ أَنَّ فِي أَعْيَانِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ كَمَا كَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٌ وَحُذَيْفَةُ وَنَحْوُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ بِالشَّامِ مِنَ الصَّحَابَةِ لَكِنَّ مُقَابَلَةَ الْجُمْلَةِ وَتَرْجِيحَهَا لَا يَمْنَعُ اخْتِصَاصَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى بِأَمْرِ رَاجِحٍ . وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَيَّزَ أَهْلَ الشَّامِ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ دَائِمًا إلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَبِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَنْصُورَةَ فِيهِمْ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ دَائِمٍ مُسْتَمِرٍّ فِيهِمْ مَعَ الْكَثْرَةِ وَالْقُوَّةِ ،وَهَذَا الْوَصْفُ لَيْسَ لِغَيْرِ الشَّامِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ ؛ فَإِنَّ