فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 586

يَدٍ أَوْ رِجْلٍ يُحْسَمُ فِي الْحَالِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَالْحَسْمُ: كَيُّ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ بِالنَّارِ أَوْ بِالزَّيْتِ وَهُوَ يَغْلِي ; لِكَيْلَا يَسْتَنْزِفَ الدَّمُ وَيَمُوتَ صَاحِبُهُ ، وَفِي مَعْنَى الْحَسْمِ كُلُّ عِلَاجٍ يَحْصُلُ بِهِ الْمُرَادُ ، وَرُبَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ مَا كَانَ أَسْرَعَ تَأْثِيرًا وَأَقَلَّ إِيلَامًا وَأَسْلَمَ عَاقِبَةً ، عَمَلًا بِحَدِيثِ"إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ .

وَأَمَّا النَّفْيُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَحْتَمِلُ لَفْظُ الْآيَةِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً مَعْطُوفَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَأَنْ يَكُونَ"أَوْ"بِمَعْنَى"إِلَّا أَنْ"أَيْ جَزَاؤُهُمْ مَا ذُكِرَ قَبْلُ ، إِلَّا أَنْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ بِالْمُطَارَدَةِ ، وَيُخْرَجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لَا حُكْمَ وَلَا سُلْطَانَ لِلْإِسْلَامِ فِيهَا ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ وَعَنِ السُّدِّيِّ وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمْ يُطْلَبُونَ حَتَّى يُؤْخَذُوا أَوْ يَضْطَرُّهُمُ الطَّلَبُ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ وَالْحَرْبِ إِذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُضْطَرُّ إِلَى الدُّخُولِ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَارِ أَنْ يُنْفَى الْمُحَارِبُونَ مِنْ بَلَدِهِمْ أَوْ قُطْرِهِمُ الَّذِي أَفْسَدُوا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ; أَيْ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَإِذَا كَانُوا كُفَّارًا جَازَ نَفْيُهُمْ إِلَى بَعْضِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَإِلَى بِلَادِ الْكُفْرِ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْضِ فِي الْآيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ فِيهِ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ يَكُونَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ الْفَسَادُ مِنْهَا . وَحِكْمَةُ نَفْيِهِمْ إِلَى غَيْرِ تِلْكَ الْأَرْضِ وَرَاءَ كَوْنِ النَّفْيِ عِقَابًا ظَاهِرَةٌ ; وَهِيَ أَنَّ بَقَاءَهُمْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَفْسَدُوا فِيهَا يُذَكِّرُهُمْ ، وَيُذَكِّرُ أَهْلَهَا دَائِمًا بِمَا كَانَ مِنْهُمْ ، وَهِيَ ذِكْرَى سَيِّئَةٌ قَدْ تَعْقُبُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ . وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا التَّفْسِيرَ لِلنَّفْيِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقِيلَ: يُنْفَى إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَيُسْجَنُ فِيهِ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، وَقِيلَ: إِنِ النَّفْيَ هُوَ السَّجْنُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَغْرَبُ الْأَقْوَالِ ، فَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ غَيْرُ عُقُوبَةِ النَّفْيِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْأَرْضِ ، تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ بَيَانِ حُدُودِ اللهِ ، لَا التَّعْزِيرُ الْمُفَوَّضُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْعُقُوبَتَيْنِ فِي بَيَانِ اللهِ لِنَبِيِّهِ مَا كَانَ يَكِيدُ لَهُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت