لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) (8: 30) رَوَى أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ سَأَلَهُ: هَلْ تَدْرِي مَا ائْتَمَرُوا بِكَ ؟ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -:"يُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُنُونِي أَوْ يَقْتُلُونِي أَوْ يُخْرِجُونِي".
هَذِهِ أَرْبَعُ عُقُوبَاتٍ لِلْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي كَيْفِيَّةِ تَنْفِيذِهَا ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ لِلتَّخْيِيرِ ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُمْ ، بِمَا شَاءَ مِنْهَا ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا لِتَفْصِيلِ أَنْوَاعِ الْعِقَابِ لَا لِلتَّخْيِيرِ ، جَعَلَ اللهُ لِهَذَا الْإِفْسَادِ دَرَجَاتٍ مِنَ الْعِقَابِ ; لِأَنَّ إِفْسَادَهُمْ مُتَفَاوِتٌ ; مِنْهُ الْقَتْلُ ، وَمِنْهُ السَّلْبُ ، وَمِنْهُ هَتْكُ الْأَعْرَاضِ ، وَمِنْهُ إِهْلَاكُ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ ; أَيْ قَطْعُ الشَّجَرِ ، وَقَطْعُ الزَّرْعِ ، وَقَتْلُ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ جَرِيمَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ، فَلَيْسَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِي مُعَاقَبَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِمَا شَاءَ مِنْهَا ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُعَاقِبَ كُلًّا بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَدَرَجَةِ إِفْسَادِهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ الْجَرَائِمِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَجَاءُوا فِيهِ بِفُرُوعٍ كَثِيرَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِي التَّقْدِيرِ وَمُرَاعَاةِ مَا وَرَدَ مِنَ الْحُدُودِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ ، كَقَتْلِ الْقَاتِلِ وَقَطْعِ آخِذِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ كَالسَّارِقِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالسَّلْبِ ، وَالنَّفْيِ لِمَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَا أَخَذَ مَالًا ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَعْضِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ ، وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا تَنْفِيهِ ; فَهُوَ اجْتِهَادٌ حَسَنٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ بِهَا ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ ; لِأَنَّ لِلْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ أَعْمَالًا أُخْرَى أَشَرْنَا إِلَى أُمَّهَاتِهَا آنِفًا ، فَإِذَا قَامَتْ عِصَابَةٌ مُسَلَّحَةٌ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ بِخَطْفِ الْعَذَارَى أَوِ الْمُحْصَنَاتِ لِأَجْلِ الْفُجُورِ بِهِنَّ ، أَوْ بِخَطْفِ الْأَوْلَادِ لِأَجْلِ بَيْعِهِمْ أَوْ فِدْيَتِهِمْ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تُعَدُّ مِنَ الْمُخَرِّبِينَ الْمُفْسِدِينَ ، فَمَا حُكْمُ اللهِ فِيهِمْ ؟ إِنَّ الْآيَةَ حَدَّدَتْ لِعِقَابِ الْمُفْسِدِينَ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ وَالْعَصَبِيَّةِ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، وَتَرَكَتْ لِأُولِي الْأَمْرِ الِاجْتِهَادَ فِي تَقْدِيرِهَا بِقَدْرِ جَرَائِمِهِمْ ، فَلَا هِيَ خَيَّرَتِ الْإِمَامَ بِأَنْ يَحْكُمَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا عَلَى مَنْ شَاءَ بِحَسَبِ هَوَاهُ ، وَلَا هِيَ جَعَلَتْ لِكُلِّ مَفْسَدَةٍ عُقُوبَةً مُعَيَّنَةً مِنْهَا ، وَالْحِكْمَةُ فِي عَدَمِ تَعْيِينِ الْآيَةِ وَتَفْصِيلِهَا لِلْفُرُوعِ وَالْجُزْئِيَّاتِ هِيَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ كَثِيرَةٌ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ،