وَضَرَرُهَا يَخْتَلِفُ كَذَلِكَ ، وَالْفُرُوعُ تَكْثُرُ فِيهَا ، حَتَّى إِنَّ تَفْصِيلَهَا لَا يُمْكِنُ إِلَّا فِي صُحُفٍ كَثِيرَةٍ ، وَمِنْ خَصَائِصِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كِتَابُ هِدَايَةٍ رُوحِيَّةٍ ، لَيْسَ لِأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْهُ إِلَّا الْحَظُّ الْقَلِيلُ ; إِذْ وَكَلَ أَكْثَرَهَا إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَبَيَّنَ بِإِيجَازِهِ الْمُعْجِزِ الضَّرُورِيَّ مِنْهَا بِعِبَارَةٍ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا مَا يَمْلَأُ عِدَّةَ صُحُفٍ ، كَهَذِهِ الْآيَةِ وَآيَاتِ الْمَوَارِيثِ ، وَالْقَاعِدَةُ فِي الْإِسْلَامِ: أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِخُصُوصِهِ يَسْتَنْبِطُ أُولُو الْأَمْرِ حُكْمَهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَحِفْظِ الْمَصَالِحِ . وَالْعُلَمَاءُ الْمُسْتَقِلُّونَ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ ، فَلِهَذَا بَيَّنُوا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ ; لِيُسَهِّلُوا عَلَى الْحُكَّامِ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ فَهْمَ النُّصُوصِ ، وَيُمَهِّدُوا لَهُمْ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ ، وَلَوْ كَانَ مُسْلِمُو هَذَا الْعَصْرِ كَمُسْلِمِي السَّلَفِ لَفَعَلَ أَئِمَّتُهُمْ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي خِلَافَتِهِ مِنْ جَمْعِ أُولِي الْأَمْرِ (أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَكُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ) لِلتَّشَاوُرِ فِي كُلِّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا سُنَّةً مُتَّبَعَةً ، وَلَاسْتَشَارُوهُمْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ تَأْثِيرِ الْمَفَاسِدِ وَضَرَرِهَا ، وَأَنْفَذُوا مَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الشُّورَى فِي كُلِّ مَا حَدَثَ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ . رَاجِعْ تَفْسِيرَ (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (4: 59) (ص146 - 180 ج5 ط الْهَيْئَةِ) .
وَعُلِمَ بِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أَنَّ كُلَّ قَوْلٍ قَالَهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ لَهُ وَجْهٌ ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ قَوْلَ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فَوَجْهُهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَطْفُ بِأَوْ ، لَا يَعْنِي بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ لَهُ الْحُكْمَ بِالْهَوَى وَالشَّهْوَةِ ، بَلْ بِالِاجْتِهَادِ وَمُرَاعَاةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ وَتَقُومُ الْمَصْلَحَةُ ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأَمْرِ ، كَيْفَ وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلْحُكْمِ ؟ وَمَنْ وَضَعَ كُلَّ عُقُوبَةٍ بِإِزَاءِ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُفْسِدِينَ فَإِنَّمَا بَيَّنَ رَأْيَهُ وَاجْتِهَادَهُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَدْرَأُ الْمَفْسَدَةَ ، وَتَقُومُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ ، كَمَا يُبَيِّنُونَ فَهْمَهُمْ وَاجْتِهَادَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ ، وَلَا يُوجِبُونَ ، بَلْ لَا يُجِيزُونَ لِأَحَدٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَّخِذَ فَهْمَهُمْ أَوْ رَأْيَهُمْ دِينًا يُتَّبَعُ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِعَانَةٌ لِلْبَاحِثِ وَالنَّاظِرِ عَلَى الْعِلْمِ ، فَإِنَّ الْمُسْتَقِلَّ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إِذَا نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَعْرِفْ لِغَيْرِهِ رَأَيًا فِيهَا يَكُونُ مَجَالُ نَظَرِهِ أَضْيَقَ مِنْ مَجَالِ مَنْ عَرَفَ أَقْوَالَ النَّاسِ وَآرَاءَهُمْ ، وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ مُجْتَهِدٍ قَالَ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بَعْدَ