فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 586

وُقُوفِهِ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ; إِمَّا إِلَى رَأْيِهِمْ ، وَإِمَّا إِلَى رَأْيٍ جَدِيدٍ . وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبٌ قَدِيمٌ وَمَذْهَبٌ جَدِيدٌ ، فَلَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ إِنَّ أَكْثَرَ مَا قَالُوهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ .

إِذَا عَلِمْتَ هَذَا ، فَهَاكَ أَشْهَرُ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، قَالَ صَاحِبُ (الْمُقْنِعِ) مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ فِي بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ ; فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ ، وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ حَتْمًا ، وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (مِنْ فُقَهَائِهِمْ) :"يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ . وَإِنْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ ، فَهَلْ يُقْتَلُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ"إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ، وَهُوَ مِثْلُ الَّذِي عَزَوْنَاهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ تَفْصِيلٍ وَذِكْرِ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْمَذْهَبِ ، وَقَالَ مُحَشِّيهِ مَا نَصُّهُ:"قَوْلُهُ وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ . . . إِلَخْ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ . وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَحَمَّادٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ ; لِأَنَّ (أَوْ) تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ . وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ فَرَآهُ الْإِمَامُ جَلْدًا ذَا رَأْيٍ قَتَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ قَطَعَهُ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِعْلُهُ"انْتَهَى . أَيْ إِنَّ مَالِكًا يَعْتَبِرُ حَالَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي الْعِقَابِ ، لَا عَمَلُهُ وَحْدَهُ ، وَالْجَلْدُ: الْقَوِيُّ صَاحِبُ الثَّبَاتِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْقُوَّةُ مَعَ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ كَانَ الْفَسَادُ أَقْوَى ، وَالْعَاقِبَةُ شَرًّا . وَذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ; مِنْهَا أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ ، فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ شَاءَ .

قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الْعِقَابِ خِزْيٌ لِأُولَئِكَ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; أَيْ ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ; لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وَقَالَ: (لَهُمْ خِزْيٌ) وَلَمْ يَقُلْ"خِزْيٌ لَهُمْ"; لِيُفِيدَ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِمْ ، دُونَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ ، وَمُغْتَرِّينَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ ، ثُمَّ إِنَّ عَذَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ يَكُونُ عَظِيمًا بِقَدْرِ تَأْثِيرِ إِفْسَادِهِمْ فِي تَدْنِيسِ أَرْوَاحِهِمْ وَتَدْسِيَةِ أَنْفُسِهِمْ ، وَيَا لَهُ مِنْ تَأْثِيرٍ ! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت