ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون اللّه والذين آمنوا بقولهم:آمنا باللّه وباليوم الآخر.ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء ..ولكن يا للسخرية! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية: «وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ،وَما يَشْعُرُونَ» ..
إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن اللّه بخداعهم عليم والمؤمنون في كنف اللّه فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم.أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها.يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق،ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين.وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه،والنفاق الذي يظهرونه.وينتهون بها إلى شر مصير! 10 - ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة؟ ولما ذا يخادعون هذا الخداع؟
«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» ..في طبيعتهم آفة.في قلوبهم علة.وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم.ويجعلهم يستحقون من اللّه أن يزيدهم مما هم فيه: «فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا»
فالمرض ينشئ المرض،والانحراف يبدأ يسيرا،ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد.سنة لا تتخلف.سنة اللّه في الأشياء والأوضاع،وفي المشاعر والسلوك.فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم.المصير الذي يستحقه من يخادعون اللّه والمؤمنين: «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» ..
وصفة أخرى من صفاتهم - وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام في قومهم ورياسة وسلطان كعبد اللّه بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبرير ما يأتون من الفساد،والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ،قالُوا:إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ،وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» ..
إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع،بل يضيفون إليهما السفه والادعاء: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» ..لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد،بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير: «قالُوا:إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ» ..