فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 160

متلفتين حواليهم يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف،يحسبونه يطلبهم،وقد عرف حقيقة أمرهم!!

وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان ..إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال! وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ» ..هم العدو الحقيقي.العدو الكامن داخل المعسكر،المختبئ في الصف.وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح. «فَاحْذَرْهُمْ» ..ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر هنا بقتلهم،فأخذهم بخطة أخرى فيها حكمة وسعة وثقة بالنجاة من كيدهم ..

«قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» ..فاللّه مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا.والدعاء من اللّه حكم بمدلول هذا الدعاء،وقضاء نافذ لا راد له ولا معقب عليه ..وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف.

ويستطرد السياق في وصف تصرفاتهم الدالة على دخل قلوبهم،وتبييتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكذبهم عند المواجهة ..وهي مجموعة من الصفات اشتهر بها المنافقون: « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8) [المنافقون: 5 - 9] » .. فهذا هو الصف المسلم يندس فيه المنافقون ويعيشون فيه - في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرابة عشر سنوات.والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخرجهم من الصف،ولا يعرفهم اللّه له بأسمائهم وأعيانهم إلا قبيل وفاته.وإن كان يعرفهم في لحن القول،بالالتواء والمداورة.ويعرفهم بسيماهم وما يبدو فيها من آثار الانفعالات والانطباعات.ذلك كي لا يكل اللّه قلوب الناس للناس.فالقلوب له وحده،وهو الذي يعلم ما فيها ويحاسب عليه،فأما الناس فلهم ظاهر الأمر كي لا يأخذوا الناس بالظنة،وكي لا يقضوا في أمورهم بالفراسة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت