وَأَمَّا مَنْ لاَ يَعْتَدُّ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَال:إِنَّ الْحَدِيثَ لاَ يَقْتَضِي إِبَاحَةَ الْهِجْرَةِ فِي الثَّلاَثِ. [1]
جَاءَ فِي مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيحِ:قَال أَكْمَل الدِّينِ مِنْ أَئِمَّتِنَا - أَيِ الْحَنَفِيَّةِ:فِي الْحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى حُرْمَةِ هِجْرَانِ الأَْخِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ،وَأَمَّا جَوَازُ هِجْرَانِهِ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَمَفْهُومٌ مِنْهُ لاَ مَنْطُوقٌ،فَمَنْ قَال بِحُجِّيَّةِ الْمَفْهُومِ كَالشَّافِعِيَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُول بِإِبَاحَتِهِ،وَمَنْ لاَ فَلاَ [2] .
وَقَدْ حَمَل الْفُقَهَاءُ الْهَجْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ عَلَى مَا كَانَ لِحَظِّ الإِْنْسَانِ،بِأَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فِي عَتَبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ لِنَبْوَةٍ تَكُونُ مِنْهُ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ،دُونَ مَا كَانَ فِي جَانِبِ الدِّينِ،فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَالْبِدَعِ دَائِمَةٌ عَلَى مَرِّ الأَْوْقَاتِ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ،فَإِنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خَافَ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ،وَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ فِي بُيُوتِهِمْ نَحْوَ خَمْسِينَ يَوْمًا، [3] إِلَى أَنْ أَنْزَل اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَوْبَتَهُ وَتَوْبَةَ أَصْحَابِهِ،فَعَرَفَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَرَاءَتَهُمْ مِنَ النِّفَاقِ. [4]
(1) - النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ 16 / 117 ، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة لاِبْن مُفْلِح 1 / 242 .
(2) - مِرْقَاة الْمَفَاتِيح 4 / 716 ، وَانْظُرِ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي 7 / 215 .
(3) - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ ( فَتْح الْبَارِي 8 / 114 - 115 ط السَّلَفِيَّة ) ، وَمُسْلِم ( 4 / 2124 ط الْحَلَبِيّ ) .
(4) - الأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم 7 / 16 ، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة 1 / 252 ، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني 1 / 256 ، وَمِرْقَاة الْمَفَاتِيح 4 / 716 ، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 28 / 207 ، وَمَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَابِيِّ 7 / 231 ، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ 2 / 395 .