وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ:إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ،وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ،لَمْ يَأْثَمْ إِنْ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ،وَإِلاَّ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ لِلرَّجُل مَا هُوَ عَلَيْهِ،إِذَا لَمْ يَرَ مُنْكِرًا،وَلاَ جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ [1] .
وَقَال ابْنُ رُشْدٍ:لأَِنَّ الْحُبَّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضَ فِي اللَّهِ وَاجِبٌ،وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ مُؤَاخَاةِ الْبِدْعِيِّ حِفْظًا لِدِينِهِ،إِذْ قَدْ يَسْمَعُ مِنْ شُبَهِهِ مَا يَعْلَقُ بِنَفْسِهِ،وَفِي تَرْكِ مُؤَاخَاةِ الْفَاسِقِ رَدْعٌ لَهُ عَنْ فُسُوقِهِ [2] .
وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ:الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ آثَرُوا فِرَاقَ نُفُوسِهِمْ لأَِجْل مُخَالَفَتِهَا لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،فَهَذَا يَقُول:زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي.وَنَحْنُ لاَ نَسْخُوا أَنْ نُقَاطِعَ أَحَدًا فِيهِ لِمَكَانِ الْمُخَالَفَةِ ! [3]
وَهِجْرَانُ الْمُجَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي عَلَى مَرْتَبَتَيْنِ:الْهِجْرَانِ بِالْقَلْبِ،وَالْهِجْرَانِ بِاللِّسَانِ.فَهِجْرَانُ الْكَافِرِ بِالْقَلْبِ،وَبِتَرْكِ التَّوَدُّدِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ،لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا .
وَإِنَّمَا لَمْ يَشْرَعْ هِجْرَانُهُ بِالْكَلاَمِ لِعَدَمِ ارْتِدَاعِهِ بِذَلِكَ عَنْ كُفْرِهِ،بِخِلاَفِ الْعَاصِي الْمُسْلِمِ،فَإِنَّهُ يَنْزَجِرُ بِذَلِكَ غَالِبًا.وَيَشْتَرِكُ كُلٌّ مِنَ الْكَافِرِ وَالْعَاصِي فِي مَشْرُوعِيَّةِ مُكَالَمَتِهِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ [4] .
(1) - الآْدَاب الشَّرْعِيَّة 1 / 229 ، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني 1 / 256 .
(2) - الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات لاِبْن رُشْد ( ط دَار الْغَرْبِ الإِْسْلاَمِيّ ) 3 / 446 .
(3) - الآْدَاب الشَّرْعِيَّة 1 / 235
(4) - فَتْح الْبَارِي 10 / 497 .