العطف في امثال هذه ليست قضية خلاف، والقول الثالث هو حملهُ على المضمر في الخبر المقدر في (بالنفس) وعُدّت المجرورات أحوالًا للعطف على الفاعل، وقد ذهب الى هذا الزجاج والنحاس والجرجاني والطوسي والانباري والعكبري وغيرهم، غير ان السمين قد أبان ان العطف على المضمر بلا فاصل لا يجوز، [1] وهذا أمر خلافي معروف، فالكوفيون يجيزونه مطلقًا مع الضمير ظاهرًا أو مستترًا من غير تأكيد ولا فاصل، ومنعه البصريون الا في اضطرار، [2] ولربما يرجح القول البصري في هذا لانهم جميعًا قد اجمعوا على أن العطف مسبوقًا بتوكيد أو فاصل غيرُ قبيحٍ ولم يأخذ الفراء بالعطف على مضمر في هذا ونظائره، [3] وكأنَّ الحكمَ الكوفيَّ مبتدع.
وقراءة ابي عمرو (والجروحُ قِصاصٌ) رأى السمين انها مخرجة على الوجوه الثلاثة التي ذكرها الفارسي، وقد رد شهاب الدين أبو شامة حملها على القول الثالث لأبي علي على العطف على المضمر لاختلاف خبرها عن سوابقها، [4] وقال السمين،"ولم ينتبه له كثير من المعربين" [5] والحقيقة ان ابن خالويه قد التفت الى ذلك قائلا،"ولم يقل فيه"الجروح بالجروح قصاص"فكان الرفع بالابتداء اولى" [6] وكذلك الامر عند أبي زرعة، [7] وهناك أناس ذهبوا الى ان رفع الجروح عائد الى أسباب اخرى، منها الاختلاف بين المفصل والمجمل عند بعضهم وعند آخرين لاختلاف الجراحات وتفاوتها، وقد ردها السمين لأن مخالفة الاحكام لا تعني مخالفة الاعراب بوجه من الوجوه، [8] وقد ذهب بعض المحدثين الى
(1) ينظر: معاني الزجاج: 2/ 179، اعراب النحاس: 1/ 499، حجة الفارسي: 3/ 225 - 226، المقتصد: 2/ 958، التبيان للطوسي: 3/ 536، البيان للانباري: 1/ 293، التبيان للعكبري: 1/ 439، البحر: 3/ 506، الدر: 4/ 276،277.
(2) ينظر: الانصاف: 2/ 474، م/ 66، الائتلاف: 63، م/ 50.
(3) ينظر: معاني الفراء: 1/ 310، الانصاف: 2/ 475، م/66.
(4) ينظر: الدر: 4/ 278 - 279.
(5) ينظر: م. ن: 279.
(6) حجة ابن خالويه: 131.
(7) ينظر: حجة ابي زرعة: 227.
(8) ينظر: الدر: 4/ 279.