الصفحة 425 من 562

وهذا ـ عند أبي حيان والسفاقسي ـ دليل على حس لغوي ثاقب استطاع ان يصل الى كنه الحقيقة اللغوية مبينًا وجوهها المختلفة وما أظن السمين الا رجلا قد التقط ما سقط من متاع للاخرين.

وقد ضعف نصبه على النداء أبوحيان والسفاقسي ولكل سبب قد أورده في رده لذلك فأبو حيان يذهب الى ان النداء سيكون فاصلًا بين الموصوف في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وبين صفته في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، [1] وهو فصل باجنبي بين الموصوف وصفته، وليس ذلك مما يعترض به لكي يكون أمرًا مقبولا، لذلك فالنداء في الموضع هذا مردود بالسياق الذي يحكم اتحاد الصفة بموصوفها، وفي القول بالنداء فصل بينهما مما لا يحقق ذلك، وليس لنا ان نحمله محامل الزمخشري في الفصل بسبع جمل لأن ذلك تفتيت للكلام وروابطه.

اما ما ذهب اليه السفاقسي فهو ما رآه من فصل بين النداء وما يتصل به من خطاب في قوله (- سبحانه وتعالى -) : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، [2] وذلك لأنه قد عد {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، [3] صفاتٍ فصلت بين النداء وما تبعه من خطاب، [4] ولعل مافي هذه الصفات من قراءات خافضةٍ تابعةٌ لقوله (- سبحانه وتعالى -) : {الحمدُ للهِ} ، ولأن النداء قد أخرج {ربِّ العالمين} من النمط الوصفي المخفوض الى نصب بعامل مقدر جعل التركيب واقعا بين داعيين او عاملين هما الخافض والناصب، ولذلك منع السقاقسي النداء في التركيب.

واذا قمنا بعملية ترجيح بين كل تلك الأقوال فإننا نجد ان الاقوال كلها مبنية على فصل بين الموصوف وصفاته في القطع والنداء والنصب بمضمر ما، ولم يبق لنا الا قول الكسائي الذي حمله على الحال في نصب (رب) وقد سبق ان أبنا انه يُحمل على لفظ مشتق فهو كبر وبار، لذلك فحمله على الحال اللازمة لله (- سبحانه وتعالى -) أمر مقبول لأنه فضلةٌ، عاملهُ عاملُ صاحبهِ، فلا يستقل بعاملٍ يفصله عما يسبقه ويفصل ما يليه عما هو متقدم عليه، لذلك فهو اكثر الاقوال قبولًا لخلوه وبعده عن الامور التي تحدث عنها أبو حيان والسفاقسي، ولكون

(1) الفاتحة: 3.

(2) الفاتحة: 5.

(3) الفاتحة: 3، 4.

(4) ينظر: المجيد: 348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت