الصفحة 473 من 562

أجريناها عليه لكان بدلًا لاعطفَ بيانٍ، فهو في المعارف فقط عطفُ بيانٍ، لذلك لا يكونُ العكسُ بينهما، وهذا تأكيدٌ وتأييدٌ للقائلين بعطفِ البيانِ في الآية.

أما الأقوال الأخرى فهي قائمة على التأويل في أحكامها، وخاصة في القول بالبدل من الناس أو من الشياطين، لأنه قائم على تحميل لفظي (هاروت وما روت) معاني ليست لهما كأن يكونا دأودَ وسليمانَ أو قبيلتينِ من الجنّ، والتأويل غير مرغوب في كل الأحكام والمسائل لذلك قيل إن الإظهار خيرٌ من الاضمار [1] على تأويلات قد لاتَصْدُقُ غالبًا.

اما قول العكبري بنصبهما بمضمر تقديره (أعني) فهو أمر محمولٌ على باب الاختصاص، وهو غير جارٍ هنا لأن الاختصاص [2] غالبًا يكون بين طرفي إسنادٍ، ولا إسنادَ هنا.

وفي قراءة الرفع أربعةُ أقوالٍ، هي: قول الزمخشري بأن (هاروت) خبرٌ لمضمر تقديرُه، هما هاروت وماروت، وأخذ به العكبري وأبو حيان والسمين، ونسب العكبري قولًا إلى آخرين هو الحكم على (هاروت) بالمبتدأ، وخبره (ببابل) ، ولأبي حيان والسمين قولان آخران هما: جعله بدلًا من (الشياطين) المرفوع، أو جعله بدلًا من (الشياطين) الثاني على قراءة مَنْ رفعه، [3] واذا أخذنا هذه الأقوال محققين موجهين فإننا نجد أن القول الأول هو أمكنها وذلك لأسبابٍ هي:

-ان هاروت وماروت علمان شهيران معروفان.

-ان المبتدأ والخبر يحذف احدهما فيما كان معلومًا ومعروفًا. [4]

ولذلك فإن الاعتداد بقول الزمخشري في هذا الشأن أمرٌ مقبول ومحققٌ للوجهينِ اللغويين الاستعمال اللّغويّ، والقياس النظري في هذا أو امثاله من الأعلام والمعارف المعروفة الشهيرة.

أما القائلون إنّه مبتدأ مؤخر وخبره ببابل، فأمرٌ مردودٌ بما سلف من وجهِ الابتداء والخبر، وبأمرين آخرين هما:

(1) ينظر: الفخر: 26/ 237 - 238، البحر: 6/ 255، شرح الجرجأوي: 113.

(2) ينظر: أوضح المسالك: 4/ 73 - 74، ابن عقيل: 2/ 298، شرح الحدود النحوية: 100.

(3) ينظر: الكشاف: 1/ 173، إعراب القراءات الشواذ: 1/ 193، البحر: 1/ 498، الدر: 2/ 33، الاتحاف: 144، الموسوعة: 4/ 318، القراءات القرآنية في بلاد الشام: 163

(4) ينظر: مغني اللبيب: 2/ 629 - 630، 631، الهمع: 2/ 38 - 39، 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت