وعلى الرغم من قدم القول البصري فإننا نرى معظم النحويين يذهبون مذاهب متباعدة في تخريج قراءة الخفض، وما في القول البصريّ حقيقةٌ ثابتةٌ في اللغة تركيبًا ودلالةً، وكان الأولى أن يستقر الأمر فيها على رأيين خلافيين، ولكن الأمر لم يكن كذلك وما نسب إلى البصريين حكمٌ يفرّقون فيه بين النعتِ والبدلِ، ومفادُ ذلك الحكمِ الاتي:
-ما كان حُليةً للإنسان ـ أي؛ نعتًا ـ جاء بعد اسمه ليفرق بينه وبين غيره ممن له هذا الاسم، فهذا نعتٌ كقولك مررتُ بزيدٍ الظريف.
-ما بدأت فيه بذكرِ الحُليةِ ـ النعت ـ ثم تلوته بالاسم، كان الاسم بدلًا، كقولك؛ مررتُ بالظريِف زيدٍ. [1]
وهذا القول قولٌ محكمٌ دقيقٌ لو أخذ به النحويون لما تفرّعت بهم الطرق، ولما جعلتهم مذاهبَ أربعةً، أولها مذهب أبي عمروبن العلاء وقد أوضحه بأنه من المؤخر الذي معناه التقديم، فتقدير الآية عنده هو؛ '' باذن ربهم إلى صراطِ الله العزيزِ الحميد'' كقولك مررْتُ بالظريفِ عبدِ اللهِ، وحدده منظّرًا له بأن المشتق الذي يُوْضَعُ مكان الاسم النعتُ ثم يجعل الاسم مكان النعت الذي يوضع موضع الاسم، [2] وفي قوله هذا بيان يُظهِرُ أن الأمر مرهونٌ بالتقديم والتأخير بين النعتِ ومنعوتِه، ولكنه لم يبين لنا إعراب المنعوت في الحالين، ويطلق على المنعوت اسمًا بلا تحديد لهوية إعرابٍ في وجهي التقديم والتأخير، وعلى الرغم من ذلك فإن الفكر النحوي عند أبي عمرو كان أنضج من فكر المتأخرين الذين ذهبوا مذهولين إلى منع كون الله نعتًا ـ وهو صواب ـ ولكنهم لم يفكروا في طبيعة وجوده في التركيب، وربما ذهب بعضهم إلى البحث في أصل لفظة (الله) وحالها الاشتقاقي، ولأنها ـ في الاصل مشتقة ـ حكموا عليها بالنعت لأصلها الاشتقاقي كما هو عند ابن أبي مريم، والفخر، وقد رأى الفخر أن التركيب مشكلٌ لعدمِ الترتيبِ على وفق الأصول النحوية، وخرج بلفظ (الله) إلى القول بعطف البيان فيه، وذهب القرطبي إلى حكم لفظ (الله) بالنعت للحميد، [3] وهذا أمرٌ غير متأتٍ، ولو أخذ برأي البصريين أو شيخهم لمَا ذهب هذا المذهب البعيد، وذهب ابن
(1) ينظر: حجة ابن خالويه 202 - 203، وليست موجودة في كتب الخلاف النحوي.
(2) ينظر: الطبري 16/ 513، الفخر 19/ 76، القرطبي 9/ 339.
(3) ينظر: حجة أبي زرعة 376، الموضح لابن أبي مريم 2/ 707، الفخر 19/ 77، القرطبي 9/ 339.