إن هذا البحث يعول على الدراسة النصّية للشعر القديم وتحليله، وقد اقتضت طبيعته وحجم مادته العلمية أن يكون في أربعة فصول مسبوقة بتمهيد ومتلوة بخاتمة، ففي التمهيد يجري الكلام على لفظة الخوف واشتقاقاتها وبيان دلالاتها اللغوية اعتمادًا على المعجمات اللغوية والنصوص الشعرية لعصر ما قبل الإسلام، ويتبع ذلك تقسيم الخوف إلى مستويات أو أجناس على وفق ما تسعفنا به النصوص فنفرد لكل جنس لفظة توحي به وتدل عليه، ثم نتبع ذلك كلّه بالكلام على الخوف مفهومًا فنقف عند مقولة أرسطو في الخوف ومقولات بعض فلاسفة العرب وعلماء النفس بغية تحديد معنى الخوف والخلوص من ذلك إلى آرائهم في الخوف في مداري الفطرة والإكتساب، ثم نبسط الأسباب التي تدفع الإنسان لأن يخاف، وعلاقة العقائد والأساطير بالخوف.
أما الفصل الأول فيتصدى لدواعي الخوف المجهولة التي تستوعب الزمن (الدهر) ، والمكان، الزمن بوصفه قوة خارقة تهيمن على الإنسان لا حول ولا قوة له على صروفه ونوبه، والمكان الذي يمثل المجهول الذي يفزعه، والموت الذي لا مفر منه ولا مناص عن الوقوع في قبضته.
ويرصد الفصل الثاني دواعي الخوف المعلومة جامعًا الحرب والغارة، والشيب، والملك، والهجاء، والحيوان، فضلًا عن خوف الحيوان من الإنسان وخوف الحيوان من الحيوان لا سيما في إطار لوحة الصيد بغية استقصاء الموضوع لدى الإنسان والحيوان على حد سواء.
ويعنى الفصل الثالث بالمظاهر الناجمة عن الخوف والدالة على أحوال الخائفين متمثلة بالشلل والخرس والإرتعاش والإحجام والهرب والأرق ... الخ، ولا يغفل الفصل متابعة الطرائق التي لجأ إليها الخائفون لمعالجة خوفهم كالإسقاط، والإعتذار، والتبرير، والإحتماء بالأقوى، والإنغماس في اللذة، والتحدي.
ويتوفر الفصل الرابع على دراسة شعر الخوف فنيًا فيعنى بلغته ألفاظًا وتراكيب، فضلًا عن الصورة الفنية ووسائلها في التعبير عن مشاهد الخوف ومشاعر الخائفين، والمصادر التي استقت منها مادتها واعتمدت عليها في بنائها، ويتلو ذلك الحديث عن الموسيقى الشعرية داخلية وخارجية وما تنهض به من مهام في الإفصاح عن مشاعر الخوف ونعت أوضاع الخائفين، وتعقب تلك الفصول الأربعة خاتمة تلخّص محتويات البحث وتطلع متلقيها على نتائجه. ولي بعد ذلك أن أقول: إن الخوف في الشعر العربي قبل الإسلام نتاج عزم لا هوادة فيه وصبر لا يطاول فإن بلغت به المأمول فذلك حسبي وإن شابه عيب هنا أو