الصفحة 107 من 392

إن خشية الشاعر من الموت لتعلو وتتعاظم مع دورة الزمن وتتابعه، فمضي هذا يعني دنو ذاك، وما التأميل بمجد في حياة مغلوبة إن طالت قصرت وإن زادت نقصت، يقول طرفة:

أرى العيش كنزًا ناقصًا كلّ ليلةٍ ... وما تنقُصِ الأيَّامُ والدّهرُ ينفدِ [1]

وحينما التمس الشعراء الشاهد على استحالة الخلود، وبحثوا عن الدليل لإضاءة الفكرة وتعميقها في النفوس وجدوه في أسطورة لبد الذي صال عليه الموت واغتاله على الرغم من العمر المديد الذي نعم به [2] ، فغدا رمزًا من رموز الفناء، ومثلًا يساق للدلالة على الانتهاء والاندثار، قال النابغة الذبياني:

أمستْ خلاءً وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ [3]

ولما أيقن الشاعر أن الخلود المادي غاية لا تنال، وأن دوام الوجود الجسدي بغية لا تعدو كونها وهماُ مضللًا، أقلع عن هذا الحلم وتحول عنه إلى التماس نوع آخر من الخلود يكمن في المعنى، وهذا المعنى المنشود يساوي ـ عنده ـ البقاء الأبدي، وديمومة الحياة، غير أن هذا الخلود مرهون بتحقيق الفعل المحمود والخلق الأثير والذكر النابه، وما الذكر الحسن إلا عمر ثان للإنسان بعد الممات، يقول زهير بن أبي سلمى:

(1) ديوانه: 54.

(2) المستقصى في أمثال العرب: 4/ 36.

(3) ديوانه: ق 1 ب 6/ 16، وينظر: الربيع بن ضبيع الفزاري حياته وشعره: ق 10 ب4/ 50، وديوان ذي الإصبع العدواني: ق 5 ب 10/ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت