فهرس الكتاب
وتقولُ عاذلتي وليس لها ... بغدٍ، ولا ما بعدَه عِلْمُ
إن الثَّراءَ هُوَ الخلود وإِ ... نَّ ... المرءَ يُكُرب يومه العُدْمُ [1]
وقد وقف الفقر والاحساس المفزع بآثاره وراء تلك العادة البشعة (وأد البنات) التي كان بعض العرب يقدم على فعلها، وقد أشار القرآن الكريم صراحة إلى ذلك الفعل الممجوج، ونهى القوم عن الدأب عليه بقوله: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًَا كَبِيرًا} [2] .
إن الخوف من الفقر إذا ما اعترى المرء أفسد عليه حياته، وجعله أسيرًا لوساوسه، ونهبًا لهواجسه وإن كان على غنى ووفر، لكن مستويات الخوف تتفاوت وعلى وفق هذا التفاوت تذكو أو تخبو جذوة الكرم، فهذه نبرة الخوف تسمع ـ وإن كانت خافتة ـ في زحمة الموت المنبثق من الكرم الحق الذي أُغرم به حاتم الطائي، وأنكر نقيضه بلا هوادة:
أعاذلُ إنّ المالَ غيرُ مخلَّدٍ ... وإنَّ الغِنى عاريّةٌ فتزوَّد
وكم من جوادٍ يفسِدُ اليومَ جودَه ... وساوسُ قد ذكَّرْنَهُ الفقرَ في غدِ [3]
فالشاعر الطائي الذي ضرب به المثل في الكرم والسخاء لم يتحرر تماما من الخوف الذي ينتاب الآخرين تجاه الغد المجهول الذي قد يحمل إليهم الفقر، ويذيقهم مرارة العوز، ثم إن النفس الإنسانية ليست كريمة خالصة وليست بخيلة محضة إنما هي شركة بينهما، مفرقة بين قوتين متضادتين، فثمة قوة تزين له البخل وتجمل له الكزازة، وأخرى تغريه بالكرم وتحبب إليه السخاء، وهاتان القوتان هما نفسان على مذهب الطائي الذي يستشير النفس الكريمة وحدها. لأنها مطواعة على البذل، ويزورّ عن النفس البخيلة ويضرب عن مشورتها، لأنها أمّارة بالأمساك، مجبولة على المنع، قال:
أشاورُ نفس الجودِ، حتى تُطيعَنِي ... وأتركُ نفسَ البُخلِ، لا أستشيرُها [4]
(1) المخبل السعدي حياته وما تبقى من شعره: 72.
(2) الإسراء: 31.
(3) ديوانه (عادل سليمان) : 260.
(4) ديوانه: 63.