فهرس الكتاب
ويجسد الشعراء ـ لاسيما الأجواد منهم ـ الخوف من الفقر بجلاء ووضوح من خلال الشكوى الممضة التي تبثها العاذلة اعتراضًا على إنفاقهم المال وسخائهم في العطاء نشدانًا للمآثر وطيب الذكر، فهن خائفات من أن يفضي هذا السخاء إلى العدم وما يتبع ذلك من أضرار فادحة يكون العيال أول ضحاياها، وهذه المرأة اللائمة التي ترتعد فرائصها من هول الفقر المتوقع امرأة متخيلة يختلقها الشاعر ويبتكرها ابتكارًا وما هي إلا صدى للطرف الثاني من طرفي الصراع الناشب في داخله، ذلك الطرف الذي يدعوه إلى الإمساك والتروي قبالة الطرف الآخر الذي يحثه على إهلاك المال وإنفاقه استجابة لنداء القيم الاجتماعية، فالمرأة هنا هي الصوت المعبر عن الجانب الخائف من الشاعر بلسان العاذلة لا بلسانه ليمنح فعله في الجود صفة الإصرار والجلد إزاء الحالة ا لثانية المتمثلة بالهواجس المرفوضة اجتماعيًا التي تجدّ لاحتواء الموقف وتطويعه لصالحها، وقد أسند هذا الدور ـ في الغالب ـ إلى المرأة إلى سواها لقدرتها على تمثيل هذا الموقف لحرصها المعهود على العيال من غائلة الفقر وسطوة الحاجة [1] ، فالعاذلة المتوجسة خيفة من الفقر الذي يأتي به المجهول تقدم خلاصة الحال للباذل الكريم وكأنما تتولى دور المنبه للرجل الغافل عن النتائج المرة التي يجرها عليه فعل الإنفاق والجود، ليقلع عن فعله، بيد أن العرف الملازم للرجل الكريم الراسخ في كيانه درجة الإيمان الذي لا محيد عنه أقوى من قوة تلك الهواجس المفزعة التي تلح العاذلة على إيقاظها في نفس المعذول الذي يستهجنها ولا يعنو لها انتصارًا للقيم الحميدة، فتعطى الأرجحية للأقوى ويكون الانحياز إليه، قال حاتم الطائي:
وقائلةٍ: أهلكتَ، بالجودِ مالَنا ... ونفسَكَ، حتّى ضرَّ نفسَك جودُها
فقلتُ: دعيني، إنّما تلك عادتي ... لكّلِ كريمٍ عادةٌ يستعيدُها [2]
إن محاورة العاذلة للجواد الذي يهلك ماله يتضمن دعوة له لاعادة النظر في المسلك المتبع، ومراجعة النفس تحسبا لكارثة الفقر، وتتراءى لمحات من تلك الدعوة في قولها"لا أراك تُليق شيئًا"و (أتهلك
(1) دراسات نقدية في الأدب العربي:26، ودراسات في الشعر العربي القديم: 88 - 89، ودراسات في الشعر الجاهلي: 79.
(2) ديوانه: 44.