فهرس الكتاب
ما جمعت) إنها بلا شك حوار يقيمه الشاعر مع نفسه، ويوحي بحذره، وتنبهه لأمر لم ينتبه إليه من قبل، ولم يقدر عواقبه الوخيمة، وكأنما يرى أن فرصة التوقي ما زالت قائمة، وأن الشبح المخيف ما زال منتصبا يجب التحصن منه، ولا ينبغي التغافل عنه، لكن هذا الصوت يبدو ضئيلا إلى جوار رنين القيم الاجتماعية الأثيرة التي بوأها العربي المحل الأول من عنايته، قال الأسود بن يعفر:
وقالتْ: لا أراك تُليقُ شيئًا ... أتُهلكُ ما جمعتَ وتسفيدُ؟ [1]
فقلتُ: بحسبِها يَسرٌ وعارٍ ... ومرتحلٌ إذا رحلَ الوفودُ [2]
وتأتي صرخة عاذلة حاتم المدوية بصيغة الأمر"أمسك عليك"للدلالة على الضيق الذي تتعرض له، والحال الذي تتبرم به، والخطر الذي تتوقع حدوثه، فلم تعد تحتمل ـ إزاء هذا الظرف الضاغظ عليها ـ الصمت، ولم تعد تؤمن بجدوى الحوار الهاديء إذن فلتحسم الأزمة بالمواجهة المتحدية التي عبّرت عنها بالأمر المباشر، وفي هذا المناخ المستعر بنار الضائقة يعمد حاتم إلى الكرم ليكون كرمه الواقع المنشود في نفوس الملأ، فالكرم مع الحاجة والنزر اليسير يختلف في دلالته عن الكرم حين تتوافر أسبابه، فالأول أدل على الجلد، وأدعى للفخر، وأحظى بالإكبار، لذا يرد الشاعر العاذلة طالبًا إليها الكف عن لومه والاستجابة لإرادة الجود، عادًا المال سحابة زائلة، وما دام ذلك كذلك فلِمَ لا يكسب خالدًا بزائل، وباقيًا بفانٍ:
تقولُ: ألا أمسِكْ عليك، فإنّني ... أرى المالَ، عند الممُسكين، معبَّدا
ذريني وحالي، إنّ مالَكِ وافرٌ ... وكلُّ امرئٍ جارٍ على ما تعوَّدا
أعاذلَ: لا آلوكِ إلا خليقتي ... فلا تجعلي، فوقي، لسانك مِبْرَدا
ذريني يكن مالي لعرضي جُنَّةً ... يقي المالُ عرضي، قبل أنْ يتبدَّدا
أريني جوادًا مات هُزْلًا، لعلّني ... أرى ما ترينَ، أو بخيلًا مخلَّدا
وإلا فكُفِّي بعض لومِكِ، و اجْعلي ... إلى رأي من تلْحَينَ، رأيك مُسْنَدا [3]
(1) تليق: تمسك.
(2) ديوانه:24.
(3) ديوانه: 40.