فهرس الكتاب
لا تجزعي إنْ منفسًِا أهلكتُه ... وإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزعي [1]
ولا ينحصر الخوف من الفقر في إطار العوز أو الحاجة المادية التي تعيق إشباع الرغبات فحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى الآثار الاجتماعية الناجمة عنه، وما يخلقه من تفكك في الروابط، وتصدع في العلاقات، فالعلاقات في نظر الشاعر محكومة بحالتي الثراء والعدم، والقل والكثر، تحسن إذا حسنت الحال وتسوء إذا ساءت، فالغنى يكسب المرء الأصدقاء والخلاّن، والفقر ينفرهم منه ويجنبهم مخالطته، والغنى يمنح الرأي السداد والحصافة إن كان سخيفًا، أما الفقر فإنه يلبس الرأي السفه، ويلونه بالفجاجة وإن كان صائبا ناضجا، فخلاصة القول إنه ليس من خلّة يمدح بها الغني إلا ذم بها الفقير فإن كان شجاعا قيل أهوج وإن كان وقورًا قيل بليد، وإن كان لسنا قيل مهذار، وإن كان زميتًا قيل عي [2] .
فالإنسان ظلّ لما يملك، تعلو مكانته مع السعة والثراء، وتدنو منزلته مع الفقر وضيق الحال، إن جفاء الفقير لفقرة يحمله على الوحشة، وإن الأزورار عن رأيه يفضي به إلى الشعور بالقرف، وكل هذه المشاعر التي يتعرض لها المرء إثر فقره تشعره بالأنسحاق والعزلة المقيتة، والفردية الأليمة التي تثير فيه فيضا من الهواجس المكدرة وغير قليل من المخاوف، قال طرفة:
إذا قلّ مالُ المرء لم يرضَ عقلَه ... بَنُوهُ ولم يغضبْ له أولياؤُهُ
وأصبح مردودًا عليه كلامُه ... وإن كان منطِقيًا قليلًا خَطاؤه [3]
فالفقر قد تعدى إطاره المحصور في الحاجة إلى مقومات المعيشة إلى معنى أخلاقي غير محمود يوازي السبة والعار فتعرضوا للمبتلى به كما تعرضوا لأولي المثالب [4] .
ويظهر الشعراء العاقبة الاجتماعية المخيفة للفقر من خلال الموازنة التي يجرونها بين مكانة الغني ومكانة الفقير في ميزان المجتمع ومعياره في بيان الأقدار وبناء الأحكام، فالغني يحظى بالتجلة والمهابة، وخطؤه مستور وذنبه مغفور، وليس للفقير نصيب سوى المهانة والذل، لا تطلب عشرته ولا تحترم إرادته،
(1) ديوانه: 71 - 72.
(2) عيون الأخبار: 1/ 239، الزميت: الكثير السكوت وقارا.
(3) ديوانه: 161.
(4) ينظر: ديوان عروة بن الورد: 79.