الصفحة 157 من 392

ولا يسمع له قول، والناس يسرعون إلى نبذ من قلّ ماله أو رقت حاله، ويتبارون إلى عقد أواصر المودة معه والتزلف إليه إذا ما أقبلت عليه الحياة، وتوطدت له أسباب البهجة والرخاء، ذلك هو سلطان المال في الناس كما تنبىء عنه التجارب، وتدلي به شواهد الأيام حين يستنطقها الشاعر مالك بن صريم الهمداني الذي يطالعنا بآثار الفقر الاجتماعية التي تسوغ للمرء الخوف منه:

أُنبئتُ والأيامُ ذات تجاربِ ... وتبدي لك الأيامُ ما أنتَ تعلمُ

بأنّ ثراء المال ينفعُ ربَّهُ ... ويثني عليه الحمد وهو مذمَّمُ

وإنّ قليلَ المالِ للمرء مُفسِدٌ ... يحزُّ كما حزَّ القطيعُ المُجرْسمُ

يرى درجات المجد لا يستطيعها ... ويقعد وسطَ القومِ لا يتكلمُ [1]

وحين يعد المال هو المحك في التمييز والمفاضلة تكون المقاييس الأخرى صغيرة واهية، بل تكون ملغية في مجال التعامل الإنساني، فالعبد يرقى إلى محل السيادة إذا كثر ماله، ولان عيشه، وابن العم مصدود عنه إذا قلّ ماله وذهب عنه رخاؤه، لا تجديه القرابة فتيلا، ولا تشفع له صلة الرحم قدر قلامة، فقطع الأرحام، ووصلها موكولان إلى الأموال وحدها، قال أوس بن حجر:

بني أُمّ ذي المالِ الكثير يرونَه ... وإنْ كان عبدًا سيدَ الأمر جَحْفَلا

وهُمْ لمقلِّ المالِ أولادُ علَّةٍ ... وإنْ كان محضًا في العُمومة مُخْوِلا [2]

وهذا رجل شهد ظرفين لّونا حياته بلونيها، ظرفًا مخصبًا تهافت فيه الناس عليه، وآخر مجدبًا جفوه فيه، فشكا غربته منهم، لأنهم يصادقونه لماله، فهم في حقيقة الأمر قرناء المال، وخلان الثراء، لا طلاب سجايا وأخلاق، وإلا فالرجل هو هو لم يتغير فيه شيء سوى حاله في المعيشة التي أدنت إليه القوم مع أقبال النعمة، وأقصتهم عنه مع إدبارها، قال سعية بن العريض:

أرى الخُلاّن لما قلَّ مالي ... وأجْحَفَتِ النوائبُ ودّعوني

(1) معجم الشعراء: 357، وينظر: ديوان عروة بن الورد: 43.

(2) ديوانه: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت